السبت، 6 أبريل 2013

التوحيد أولاً.. شبهات وردود






الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمعرفة الله -عز وجل بأسمائه وصفاته وأفعاله، وألوهيته وربوبيته- هو نعيم الحياة، وراحة القلب، وطمأنينة النفس، وجنة الدنيا، فكلما عرف العبد ربه -تبارك وتعالى-؛ ازداد له حبًّا وتعظيمًا وإجلالاً وعبودية، واستراحت نفسه واطمأن قلبه، وعاش المعيشة الهنيئة السعيدة، ولا تطيب الدنيا إلا بمعرفته وذكره وطاعته، كما لا تطيب الآخرة إلا برؤيته، يقول الله -تعالى- لأهل الجنة بعد دخولهم الجنة: (تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟! أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟! قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -عَزَّ وَجَلَّ-) ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (رواه مسلم)، وفي رواية: (أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) (متفق عليه).
والمحور الذي يدور حوله القرآن كله هو الحديث عن الله -تعالى- وصفاته، وأفعاله، وحقوقه، وإكرامه لأهل طاعته، وعذابه لأهل معصيته، وهو الحديث الذي يهز النفوس، ويحرك القلوب، ويزيل الأدران والأرجاس التي تحبس الإنسان عن الخير، قال -تعالى-: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر:23).
"ومعرفة الله، والعلم به هو العاصم من الزلل، والمقيل من العثرة، والفاتح لباب الأمل، والمعين على الصبر، والواقي من الخمول والكسل" "الأسماء والصفات في معتقد أهل السنة".
ومعرفة الله هو أشرف العلوم؛ لأنه علم بأشرف وأعظم وأجل معلوم -سبحانه وتعالى-.
قال الإمام ابن العربي المالكي -رحمه الله- في كتابه "أحكام القرآن": "شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم".
فأفرض فرض، وأوجب واجب على المسلم في العلم والعمل والدعوة إلى الله: معرفة الله -تعالى-، وتعريف الناس بالله وما له من حقوق، وهو ما يسمى بـ"علم التوحيد" أو "العقيدة"، وهو معرفة أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وكانت تسمى هذه المسائل على عهد الصحابة الإيمان، قال جندب بن عبد الله -رضي الله عنه-: "فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ؛ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وشهرت بعد ذلك باسم: "السنة"، وكانت مؤلفات علماء أهل السنة في تقرير مسائل الإيمان وتعريفها بهذا الاسم كـ"السنة" لابن أبي عاصم, و"السنة" للبربهاري, و"أصول السنة" للإمام أحمد، وغيرها كثير، وأكثر المصطلحات شيوعـًا في هذا العصر: "التوحيد" أو "العقيدة"، ولابد من البداءة بالتوحيد علمًا وتعليمًا ودعوة إلى الله -تعالى-؛ لما ذكرنا، وللأسباب التالية:
1- أنه أول واجب على العباد:
قال الله -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) (محمد:19).
قال الشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- في "سلم الوصول":
أول واجــب عـلــى العـبـيـد               معرفة الرحمن بالتوحـيد
إذ هو من كل الأوامر أعظم              وهو نوعان أيا من يفهم
وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ؛ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ -تَعَالَى-) (متفق عليه).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي في مقدمة شرحه للعقيدة "الطحاوية": "فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين "الفقه الأكبر"، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه" اهـ.
2- أول ما يحاسب عليه العبد، وأعظم ما يسأل عنه:
لأن أساس الحساب على التوحيد، ثم بعد ذلك يحاسبون على بقية الأعمال، حيث ينادي منادٍ يوم القيامة: "لتتبع كل أمة ما كانت تعبد"، فيفرق بين الناس -أولاً- على أساسه.
وأسئلة القبر الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ إنما هي أسئلة عن توحيد العبد وإيمانه، وأحاديث أول ما يحاسب عليه العبد بعد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، فإنه بعد انقسام الناس على أساس التوحيد، فأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة، وأول ما يحاسب عليه من حقوق الناس: الدماء، قال الله -تعالى-: (وقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ) (الشعراء:92-93)، وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (القصص:62)، وقال -تعالى-: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) (النحل:56)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
3- أنه حق الله على العباد:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ)؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)، وفي رواية: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ) (متفق عليه).
4- أنه الغاية التي خلق الإنسان من أجلها:
قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، قال علي -رضي الله عنه-: "إلا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي"، وقال -تعالى-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) أي: أفحسبتم أنما خلقناكم بلا قصد، ولا إرادة منا، ولا حكمة.
وقال -تعالى-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) (الإسراء:23), وقال -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) (التوبة:31), وقال -تعالى-: (ومَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة:5)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
5- الغاية من بعثة الرسل -عليهم الصلاة والسلام-:
قال -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36).
6- منهج رسل الله جميعـًا:
فما من نبي، ولا رسول إلا وكان أول دعوته ولبها: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (المؤمنون:32)، وظلوا يدعون أقوامهم لذلك طيلة فترة حياتهم.
7- منهج رسولنا -صلى الله عليه وسلم-:
ظل النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعوهم إلى ذلك، ويبث الإيمان في القلوب، وفي المدينة كان كذلك، فلم يكتف بثلاثة عشر عامًا في مكة، ونزلت الفرائض مرتبطة بمعاني الإيمان والتوحيد والعقيدة، فكان النداء في الأحكام والأوامر والنواهي بـ"يا أيها الذين آمنوا"، فإيمان الإنسان وتوحيده هو الذي يدفعه إلى تنفيذ الأمر، والانتهاء عن المنهي عنه، وكان يعلم أصحابه البداءة به في دعوتهم وتعليمهم الناس كما في حديث معاذ السابق: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) وظل كذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى آخر رمق من حياته يعلمه ويحمي جنابه، فكان من آخر ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ). يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (متفق عليه).
بل في أشد الظروف وأصعب المواقف لم يتنازل عن شيء منه أو يتهاون في مسألة من مسائله كما حدث في المسير إلى حنين حين طلب بعض حديثي العهد بالإسلام من مسلمة الفتح "ذات أنواط" شجرة يتبركون بها، فكان الموقف الصارم الشديد من النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
فلم ينتظر انتهاء المعركة حتى يصحح هذا الخطأ، ولا خاف من تفكك الجيش والأمة، ولا حرص على توحيد الصف وتوحيد الأمة -المزعوم في هذه المواطن-؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- يعلم ويعلمنا أن الأمة لا تنتصر إلا بتحقيق معاني التوحيد والعبودية، ولا تجتمع إلا على كلمة التوحيد الصافية نقية من أي شوائب؛ قال الله -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور:55).
8- أهم أعمدة الدين:
قال -صلى الله عليه وسلم-: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) وفي رواية: (بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ) (متفق عليه).
9- أفضل الأعمال:
عن ماعز التميمي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل:  سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْجِهَادُ، ثُمَّ حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفْضُلُ سَائِرَ الْعَمَلِ كَمَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشام بن العاص بن وائل نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمرًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: (أَمَّا أَبُوكَ فَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
10- سبب النجاة من النار:
قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)، والظلم في الآية هو: الشرك كما فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: (قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا؛ لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري).
وفي حديث الرجل الذي أمر أهله إن مات أن يحرقوه ثم يذروه في يوم شديد الريح فجمعه الله -تعالى-، وقال له: (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه)، وحديث البطاقة المشهور وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ؛ دَخَلَ النَّارِ).
11- دعوة التوحيد دعوة مجربة الثمار:
فانظر إلى آثارها في حياة رسل الله -عليهم الصلاة والسلام-، وآثارها في أمتنا وفي جيل الصحابة ومن بعدهم ممن سار على نهجهم؛ تعلم كيف صنع هذا المنهج أجيالاً غرة في جبين الدهر، وتاجًا على رأس الحياة، ونماذج تشرف البشرية بانتساب هؤلاء إليها.
12- لا تقدم ولا انتصار للأمة إلا بتحقيقه:
في قوله -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55)، اشترط الله تحقيق العبودية لتحقيق النصر، وانظر في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- خير مثال، لذلك كما في حديث: "ذات أنواط" السابق، وانظر إلى فعل قادة الأمة الذين قادوها إلى النصر الموعود بعد فترات الضعف إنما أحيوا الإيمان في القلوب وطهروا البلاد من المنكرات والمحرمات، وانتشرت الطاعات وقلت المعاصي والمنكرات، وانظر -على سبيل المثال لا الحصر- ما فعله صلاح الدين الأيوبي قبل "حطين"، وما فعله قطز، وعز الدين ابن عبد السلام قبل معركة "عين جالوت".
13- وأعداء الإسلام وأعداء الأمة يعلمون أهمية التوحيد في إحياء الأمة، لذا؛ يحاولون طمس معالمه، وتشويه صورته، وتحويل الناس عنه، وعلى هذا فلا تعجب أن يحضر "السفير الأمريكي" مولد "السيد البدوي"، وقبل ذلك كانت الحملة الفرنسية تشجع ذلك، فقد قال "الجبرتي" -رحمه الله- في كتابه "عجائب الآثار" وهو مؤرخ شاهد على هذه الحقبة من الزمان؛ فقد كان معاصرًا للحملة الفرنسية حين جاءت إلى مصر، قال سنة 1213هـ في ربيع الأول:
"سأل صاري العسكر عن المولد النبوي، ولماذا لم يعملوه كعادتهم، فاعتذر الشيخ البكري بتوقف الأحوال وتعطل الأمور وعدم المصروف. فلم يقبل وقال: لابد. وأعطى الشيخ البكري ثلاثمائة ريال فرنسية يستعين بها، فعلقوا حبالاً وقناديل، واجتمع الفرنسيون يوم المولد ولعبوا ودقوا طبولهم، وأحرقوا حراقة في الليل وصواريخ تصدع في الهواء ونفوطـًا".
ولعلك تعجب لما فعل الفرنسيون ذلك؛ فيجيبك الجبرتي: "ورخص الفرنساوية ذلك للناس؛ لما رأوه فيه من الخروج عن الشرائع، واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات".

*****

فقد رفع السلفيون شعار: "كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة"، و"كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة"، و"التوحيد أولاً"؛ إيمانًا منهم -بالأدلة من الكتاب والسنة، والتاريخ، والواقع أن المسلمين لن تقوم لهم قائمة، ولن يحدث التمكين للمسلمين في الأرض، ولن يسودوا الدنيا إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله، وتحقيق العبودية لله -تبارك وتعالى-، وقد شغـَّب على هذا المعنى بعض الناس عن حسن نية، وحسن قصد تارة، أو عن عاطفة جياشة محبة للأمة تارة، أو عن تعب من طول الطريق تارة، أو عن جهل وعدم علم بالكتاب والسنة وتاريخ الأمة تارة أخرى، فدارت بعض الشبهات في هذه القضية نجمل أهمها:
الشبهة الأولى: أن الكلام في التوحيد، وفي مثل هذه القضايا يفرق الأمة، ونحن نريد توحيد الأمة!
بادئ ذي بدء: إن الذي يفرق الأمة هو من يخالف كتاب الله -تعالى-، وسنة النبي -الله صلى الله عليه وسلم-، ومن يدعو إلى ضلالة، أو بدعة تخالف ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الله تعبدنا باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتعبدنا باتباع قول أحد غيره كائنًا من كان، قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آل عمران:31)، وقال -تعالى-: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور:54)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقال الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا المقام، وأشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-"، فعكس للأمور، وقلب للحقائق أن يقال: إن من يدعو إلى السنة، وإلى تحقيق اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يفرق الأمة، وإلا لكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مخطئًا حين حارب الخوارج -بعد أن بعث لهم ابن عباس -رضي الله عنهما- فناظرهم وأدحض حججهم، ورجع معه آلاف منهم-، ولكان الواجب عليه أن يحتضنهم لتجميع الأمة، وهذا لا يقوله مسلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن صحة ما فعله علي -رضي الله عنه- حين قال: (فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ)  (متفق عليه).
ثانيًا: لم يقم أهل البدع والضلالات يومًا ما بنصرة الأمة، أو الجهاد في سبيل الله، والقيام بالفتوحات، بل التاريخ يظهر أنه يوم أن تمكن العبيديين الشيعة المسمون زورًا بـ"الفاطميين" في مصر والحجاز؛ ماذا فعلوا إلا تعطيل الجهاد والفتوحات، ونشر البدع والضلالات والانحرافات، ولم تقم للأمة قائمة إلا بعد أن تخلص "صلاح الدين الأيوبي" منهم بعد محاولاتهم العديدة لقتله، وما فعله القرامطة -حتى اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه عندهم- شاهد آخر، وحين تمكن المعتزلة زمن الإمام أحمد ما فعلوه فيه، وفي أهل السنة، وهذا حال أهل البدع على الدوام، وانظر ما فعلوه في شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي البربهاري، وغيرهم من أئمة السنة.
وحين مُكِّن للشيعة في إيران لا يخفى ما فعلوه في أهل السنة ويفعلونه إلى اليوم، وما يفعلونه في العراق، "ومن نافلة القول أن نقول: إن هذا ليس حال أهل السنة معهم حينما يمكنوا" ولم توحد الأمة، ولم تقم لها قائمة، ولم تفتح البلاد، وترفع راية الإسلام إلا على يد أهل السنة والجماعة.
ثالثـًا: التجربة الأفغانية في الثمانينات شاهدة على صحة المقولة: "التوحيد أولاً" و"كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة"، وخطأ الذين يريدون توحيد الأمة على غير هذا المنهج. فرفقاء الجهاد الذين حاربوا الروس قرابة السبعة عشر عامًا بذلوا ما بذلوا حين مُكن لهم، وحاولوا التوحد مع وجود السني والشيعي والصوفي ما لبثوا إلا أن تقاتلوا، فكل واحد يريد كل شيء لنفسه ولمنهجه، وقتل من الأفغان في هذه الفتنة أكثر مما قتل في جهاد الروس كما يقول بعض المحللين، وقد توقع بعض أهل العلم هذه الفرقة بسبب وجود المناهج المختلفة قبل أن يُمكَّن الأفغان بسنوات، ولم يكن هذا رجمًا بالغيب، ولكنها القراءة الواعية للسنن والتاريخ.
رابعـًا: محاولات التقريب بين السنة والشيعة -على سبيل المثال- في العصر الحديث -ولنأخذ منذ زمن الشيخ "محمد رشيد رضا" -رحمه الله- إلى الآن، واشترك فيها من كان لهم مكانة وشهرة في الأمة في زمانهم كأمثال الشيخ "حسن البنا" -رحمه الله-، والدكتور "مصطفى السباعي"، وانتهاءً اليوم بالدكتور "يوسف القرضاوي"- ما أفلحت في توحيد السنة والشيعة، بل باءت بالفشل رغم تنازلات أهل السنة الكثيرة، والكل يعلم نتيجة ما حدث، وآخره ما كان من كلام الدكتور يوسف القرضاوي؛ لأن المنهج الذي تتوحد عليه الأمة ليس هو التوحد وكفى أيًّا ما كان الأمر حتى ولو بالتنازل عن ثوابت الأمة.
خامسًا: كيف يكون في جيش واحد، وصف واحد، ومكان واحد من يتعبد بالترضي على أبي بكر وعمر والصحابة أجمعين مع من يتعبد بلعنهم وتكفيرهم، ومن إذا اضطر؛ قال: يا بدوي، ويا دسوقي، مع من إذا اضطر؛ فزع إلى الله -تعالى-؟! كيف يتفقون ويتوحدون، وكيف يتعاملون مع بعضهم في مكان واحد وخندق واحد؟؟!!
 سادسًا: إن المنهج الذي ستتوحد عليه الأمة هو ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ، أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ. ثُمَّ سَكَتَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني), فإلى من يريد توحيد الأمة في آخر الزمان... ستتوحد الأمة على منهاج النبوة على مثل ما كان عليه أبو بكر وعمر وغيرهما من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهل بعد هذا المقال من مقال، وبعد كلام النبي من كلام؟!
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً) قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فهل بعد هذا البيان من بيان؟!، وهل بعد هذا التوضيح من توضيح؟!
الشبهة الثانية: أن الأمة اليوم موحِّدة فلا حاجة للكلام فيه!
بداية؛ من ثوابت المنهج السلفي: عدم اتهام أحد من المسلمين الذين ثبت إسلامهم بيقين بالكفر، وهذا واضح بيِّن لا يحتاج إلى مناقشة، بل الأصل في المسلم أنه على منهج أهل السنة والجماعة، وليس من أهل البدع إلا إذا ظهر منه ما يدل على خلاف ذلك، ولكن التوحيد أفرض الفروض، بل هو أهم وآكد أركان الإسلام، وتعلمه وتعليمه واجب، فهل يقول أحد: لا نعلم الناس الصلاة والزكاة، ونكتفي بمعرفتهم؟ لا يقول ذلك أحد، فكيف بما هو أهم منهما؟! فهذا قيام بأحد الفروض علينا كقيامنا بالصلاة والزكاة، والحديث عن هموم الأمة ومشاكلها، والدعوة إلى الله وغير ذلك.
ثانيًا: لا يخفى وقوع بعض المسلمين في مخالفات كثيرة، كالتوسل بغير الله، والتمسح بالأضرحة، وعدم التحاكم إلى الشرع، وغير ذلك من المنكرات التي تعج بها المجتمعات الإسلامية، ففي تعليم الناس التوحيد، وتعريفهم بدينهم بيان للجاهل والمخالف، ورده إلى الحق وحتى لا يقع غيره من المسلمين في هذه المخالفات، فإذا كان بعض الصحابة من مسلمة الفتح جهل بعض قضايا التوحيد كما في حديث "ذات أنواط"، فغيرهم من المسلمين يقع في مثل ذلك، لذا؛ قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب "التوحيد" في المسألة الرابعة من مسائل باب: "من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما": "أنهم -أي: الصحابة من مسلمة الفتح- إذا جهلوا هذا، فغيرهم أولى بالجهل"، بالإضافة إلى أن هذه المسائل جزء من الدين يجب علينا تعلمها.
الشبهة الثالثة: أنتم تتكلمون في هذه القضايا، والمسلمون يذبحون، ويقتلون، ويشردون في كل مكان، بل قد يتجرأ البعض، فيقول: دعوا هذه المسائل، وفقه دورات المياه، والمسالك البولية، واهتموا بما هو أهم!
أولاً: يجب على كل مسلم احترام وتقدير كل ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من واجب، أو مستحب، من صغير أو كبير في نظره -وإن كان ليس في الإسلام صغير وكبير، أو قشر ولباب، بل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- يدور بين الأهم والمهم-، ولا يتكلم بالكلام الذي يشعر بانتقاص بعض مسائل الدين؛ لأن بعض من لا علم عنده يستخدم مثل هذه الكلمات بأسوأ مما يكون، بل يتجرأ بسببها على السنة، وعلى علماء الأمة، بل وعلى الشريعة التي يدعو إلى تحكيمها.
ثانيًا: الاهتمام بالمسلمين وقضاياهم من التوحيد، ومن معنى: لا إله إلا الله، وتحقيقـًا لعقيدة الولاء والبراء.
والمنهج السلفي يقدم ما قدم الله، وينزل كل قضية منزلتها، ويحقق عبودية الوقت، ومواقف السلفيين عبر التاريخ من قضايا المسلمين سواء في فلسطين أو أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة أو غيرها من بلاد المسلمين شاهد على هذا الاهتمام، ولكن هناك من يكثر الضجيج والصراخ مع ما ماله من القوة الإعلامية حتى يظن الظان أنه الوحيد الذي يفعل كل شيء، وغيره لا يفعل شيئًا!
بل إن المنهج السلفي يتميز عن غيره بتأصيل هذه القضايا من منظور إيماني عقدي لا يزول بزوال محنة المسلمين في بلد ما، لا من منظور عاطفي إعلامي ينتهي ويزول بمجرد حذف هذه القضايا من مقررات النشرات الإخبارية.
وأيضًا بتعريف كل فرد من الأمة ما يمكنه فعله سواء كان شيخًا كبيرًا أو امرأة عجوزًا أو طفلاً، ولا يكتفي بمجرد إثارة عواطف الشباب بكلمات قوية معسولة أو خطب رنانة.
ثالثـًا: نُعرِّف لكل فرد ما يجب عليه حتى يقوم كل فرد في الأمة بما يستطيع، حتى ولو كان شيخًا كبيرًا، أو امرأة عجوزًا، ولا نكتفي بمجرد إثارة عواطف الشباب بكلمات معسولة، وخطب رنانة.
رابعـًا: أننا نؤدي هذا الفرض الذي علينا من تعلم التوحيد وغيره من قضايا الدين، ونعلمها وندعوا أنفسنا والمسلمين من حولنا إلى العمل بها والتمسك بها، ولاشك أن هذا عمل صالح، فلعلنا بهذا نكون أقرب إلى الله -تعالى-، فإذا دعوناه؛ علـَّه أن يغير حالنا.
الشبهة الرابعة: نحن في القرن الواحد والعشرين، فهل يعبد أحد الأصنام حتى نتكلم في هذه القضايا!
لا يخفى على أحد: أن الكلام عن عبادة الأصنام ليس هو التوحيد كله، فمسائل التوحيد كثيرة من الإيمان بالرسل، والكتب، والقدر، واليوم الآخر، وما يتعلق بذلك.
ثانيًا: أن في الكلام على ذلك تنبيه على غيره من كل ما يعبد من دون الله.
ثالثـًا: في القرن الواحد والعشرين، وفي أكثر البلاد حضارة -على زعمهم- أمريكا مثلاً فيها عبادة الشيطان، ولها معابدها وعبادها، وعبادة الشيطان بالمعنى الموجود عند هذه الطائفة لم يفعلها حتى أبو جهل وأبو لهب، وفي الهند -وهي دولة نووية كبيرة- يعبد فيها البقر، والفئران، وغير ذلك حتى قال بعض أهل العلم: فصار كل شيء يتحرك يعبد هناك من دون الله، وفيها ما يقرب من ثلاثة آلاف ديانة، وما الذي حدث مع صنمي بوذا في أفغانستان عن الأذهان ببعيد؟!!، فهذه قضايا يحتاجها المسلم في كل عصر ومصر.
رابعـًا: الكلام في مسائل التوحيد والإيمان هو كلام في كل ما يتعلق بشريعة الإسلام من: فقه وسيرة وأصول وآداب وتربية وغير ذلك، ولا يعرف ذلك إلا من درس التوحيد ودرَّسه، وربى الناس عليه مقتديًا بمنهج وطريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربية أصحابه على التوحيد.
الشبهة الخامسة: أن هذه المسائل من مسائل الترف العقلي!
وهذه شبهة لا تستحق الكلام عليها، فكيف يقال على أصل الدين، وأفرض الفروض، وأصل دعوة جميع الرسل ترف عقلي!! هذا بهتان عظيم.
هذه في نظري أهم الشبهات والرد عليها، فإن كان فيها من صواب؛ فمن الله، وإن كان من خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منه براء.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلِ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه/ محمد سرحان 

الخميس، 3 يناير 2013

( التطبيق العملي للعقيدة )

الإسلام دين عقيدة وعمل، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وحين ترك كثير من المسلمين تطبيق العقيدة عملياً، واكتفوا بالجانب النظري حصل الانفصام والخلل، وحصلت الفرقة، وحلت المصائب، ونزلت البلايا والرزايا، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم أن يجمع بين التطبيق النظري والتطبيق العملي، فإن هذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

معنى التطبيق العملي للعقيدة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].
أما بعد: أيها الإخوة! أشكر للإخوة المشرفين على هذا المركز أولاً الدعوة للقاء معكم في هذه الليلة.
وثانياً: للاختيار الجيد الذي اختاروه ليكون عنواناً لهذا الدرس أو هذه المحاضرة، والذي هو: (التطبيق العملي للعقيدة).
أيها الإخوة! التطبيق العملي للعقيدة هو الثمرة الحقيقية لتلك الأمور التي يؤمن بها الإنسان بدأً بالإيمان بالله تبارك وتعالى وانتهاءً بالتصديق بكل ما أخبرنا به ربنا وأخبرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فلو سأل سائل قائلاً: ما هو الهدف من هذه العقيدة؛ والتي تشمل كل ما يعتقده الإنسان، ويؤمن به مما جاءت دلائله واضحة صريحة؟ لجاء الجواب: إنه التطبيق العملي.
وهذا التطبيق العملي -أيها الإخوة- يبدأ مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا في تطبيق مقتضيات تلك العقيدة، ثم ينتهي إلى تلك النتيجة العظيمة حقاً حين يُهدى إلى طريق الجنات؛ فلأن الله هداه في الدنيا فإنه يُهدى يوم القيامة إلى طريق الجنات؛ جنات النعيم عند رب العالمين، ينعم فيها ولا يبأس أبداً، ويخلد فيها فلا يموت أبداً، ويلقى فيها من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
إذاً: هي نتيجة عملية في الدنيا ذات تطبيق عملي وذات أثر واقعي على حياة الإنسان في راحته النفسية وطمأنينته القلبية وفي معاشرته ومعاملته لجميع الناس، ثم هي أيضاً نتيجة واقعية عملية حين يلقى الإنسان ربه يوم القيامة بقلب سليم، أي: قلب مؤمن بالله سبحانه وتعالى عامل بمقتضى ذلك الإيمان.
 

ظاهرة الانفصام بين النظرية و التطبيق العملي

إن من مصائبنا نحن المسلمين -وما أكثر مصائب المسلمين اليوم- هي ذلك الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي في باب العقيدة، هذا الانفصام تجده مشاهداً على مستويات متفاوتة بين كثير من المسلمين، وهذا مما يؤُسف له؛ حيث تجد النظرية أحياناً جميلة، ممتازة، رقيقة، محبوبة .
.
إلى آخره، لكنك تلتفت إلى الواقع العملي فتجد الأمر مختلفاً.
وهذه تعتبر من المصائب الكبرى التي إذا أصيبت بها الأمم والشعوب تحولت عقيدتها وإيمانها ودينها إلى نظريات فقط، وانقلبت حياتها العملية إلى حياة أخرى بعيدة جداً عن ذلك التطبيق العملي، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى وهو يعلم تلك العصبة المؤمنة التي نزل عليها القرآن أول مرة، ناداها تبارك وتعالى بذلك النداء الذي يحمل معاني ومعاني، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].
وإذا كان هذا في باب القول فهو في باب الإيمان والاعتقاد من باب أولى، فإذا كنت تقول في نفسك: إنني أحب الله، وأخلص هذه المحبة لله، فلماذا عند التطبيق العملي تقدم محبة غير الله على محبة الله، وتقدم الهوى والنفس والشيطان والكسل، وتقدم أموراً تافهةً من أمور الدنيا فتحبها وتقدسها، وينشغل لها بالك ليل نهار، ولربما أخرت أو تركت طاعة لله سبحانه وتعالى من أجل ذلك الهوى وذاك الشيطان، وأنت تزعم وتقول: أنا عقيدتي صافية؛ وأنا أخلص المحبة لله سبحانه وتعالى؟! فلماذا اختلف الأمران؟! ولماذا اختلف اعتقادك النظري عن تطبيقك العملي؟! ولماذا تجاوزت التطبيق العملي في هذه المسألة؟! وهي مسألة واحدة من مسائل كثيرة من أمور الاعتقاد.
وهكذا يقول الإنسان: إنني أخاف الله، وأفرده بالخوف؛ لأنه وحده هو الذي بيده الأمر كله؛ بيده الحياة والموت، وبيده الرزق، وبيده سبحانه وتعالى كل شيء، فلا أخاف إلا الله؛ لأن البشر لا يملكون من الأمر شيئاً، ثم تأتي إلى هذا الإنسان في واقعه العملي فتجده يخاف من غير الله، فيخاف من سلطان، أو يخاف من جن، أو يخاف من ساحر، أو يخاف من عدو في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فنأتي ونقول له: لماذا انفصل الأمران عندك؟ فإذا كنت معتقداً تلك العقيدة على وجه صافٍ صحيح مؤصل، فلماذا تخاف من غير الله تبارك وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى؟! وهكذا أيها الإخوة! إذا جئت إلى أي جانب من جوانب العقيدة فستجد أن مصيبة الأمة الإسلامية هي: أنها انفصلت عندها النظريات عن التطبيق العملي، أو بالأصح انفصل التطبيق العملي عن تلك النظريات التي يؤمنون بها ويصدقونها.


منهج الرسل في الدعوة الى الله

ومن هنا أيها الإخوة في الله! فإنني سأتحدث معكم عن جوانب من هذا الموضوع، وأقول لكم: إن ما سأتحدث عنه ما هو إلا الحلقة الأولى في هذا الموضوع الكبير؛ لأنني وجدت أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه في جلسة واحدة؛ فسأبدأ معكم في الحلقة الأولى، ولعل الله أن يهيئ مناسبة أخرى لنكمل هذا الموضوع المهم، فأقول: أولاً: ما هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ إن الله تبارك وتعالى رحمة بالبشر أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت منطلقاتهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وفي تربية أممهم قائمة على توازن النظرية والتطبيق، حيث يأمرونهم بالحقيقة العلمية المثبتة لوجود الله ولأحقيته بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ينقلونهم إلى واقع عملي؛ لتخلص تلك العبادة لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، ولهذا فإن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تضمنت أصولاً كبرى على رأسها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادة الله وحده لا شريك له هي أمر عملي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى له جانبان: الجانب الأول: جانب نظري، والجانب النظري هو ما يقتضي الإيمان بالله وبوجوده وأسمائه وصفاته الذي يُسمى عند كثير من العلماء بتوحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد القولي، بمعنى: أن يؤمن الإنسان ويصدق بأن الله موجود، وأنه واحد، وأنه متصف بصفات الكمال، لكن القسم الثاني من التوحيد هو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، وهذا الجانب الثاني، وهو التطبيق العملي للجانب الأول، ولهذا نرى أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21]، فأمرهم بالعبادة، والعبادة أمر عملي، لكن عبادة لمن؟ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً.
.
[البقرة:21-22] إلى آخر الآية.
إذاً: الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا أول ما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتلك هي القضية الكبرى التي دعا إليها جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل رسول كان يدعو قومه يقول لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، هذه العبادة هي التطبيق العملي الواقعي الأولي لكل إنسان ينتقل من الكفر إلى الإيمان، ولهذا صار أساساً ومنطلقاً لدعوة كل رسول من الرسل عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.
الأساس الثاني المرتبط بالجانب العملي في منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هو: الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله تبارك وتعالى إنما هو التطبيق العملي في حياة الإنسان، وانتبهوا إلى قضية ارتباط التطبيق العملي في جانب العقيدة، فلا يأتي الإنسان ويقول: أنا أؤمن وأصدق، وفكري نظيف .
.
إلى آخره، نقول له: لا يكفي إيمانك وتصديقك القلبي وفكرك النظيف وفهمك، ما لم يتحول إلى واقع عملي، وهذه من القضايا الكبار في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فالأمر الثاني هو الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله في منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُني على أمور: الأمر الأول: طاعة كل رسول أرسل إلى قومه، ولهذا كان كل نبي يدعو قومه قائلاً لهم: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]، فقوله: (اعبدوا الله واتقوه) هذه عقيدة عملية، ثم يأتي ويقول: (وأطيعون)، أي: في كل ما أمر به هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
ومن هنا -أيها الإخوة- كانت طاعة الرسول قرينة لطاعة الله تبارك وتعالى.
الأمر الثاني مما يأمر به الرسول مما يتعلق بالامتثال لشرعه هو: ترك المنكرات الظاهرة والتخلي عنها، فالرسول إذا أرسله الله إلى قوم يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم بطاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ثم يركز على أمر اشتهر وانتشر عند هؤلاء القوم، فيطلب منهم التخلي عنه فوراً، كما أمر شعيب عليه الصلاة والسلام قومه بألا يبخسوا المكاييل والموازين، كما حكى الله عنه أنه قال: وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود:84]، لأن بخس المكاييل والموازين ونقصها عند قوم شعيب كان ظاهرة عامة، يمكن أن نسميه في مصطلحنا الحديث: قانوناً معترفاً به عندهم، أو قانوناً ملزماً يعمل به الجميع، ولا ينكره أحد، فالرسول شعيب عليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى أن يتخلوا عن هذا المنكر الظاهر، وقال لهم: يجب أن يتحول هذا إلى أن يكون بالنسبة لكم معصية، ولا يقع فيه الإنسان إلا كان مرتكباً لمعصية من المعاصي.
وكذلك أيضاً لما أرسل الله تبارك وتعالى نبي الله لوطاً عليه الصلاة والسلام إلى قومه كانت تلك الفاحشة القذرة المنتنة منتشرة في أولئك القوم، فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة، وأمرهم بأن يعبدوا الله، وأن يطيعوه، وأمرهم بأن يتركوا هذه الفاحشة، فصارت أصلاً من أصول العقيدة؛ لأنها بالنسبة لقوم لوط تحولت إلى منهج ونظام معترف به لدى الجميع، فلوط عليه الصلاة والسلام يقول: استجيبوا واتركوها؛ بحيث تصبح بالنسبة لكم جريمة، وإذا وقعت من واحد منكم يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، لكن أن تتحول عندكم إلى نظام وقانون عام فلا، فهذه الجريمة البشعة المنتشرة لا يجوز أن تبقى عندكم هكذا.
ومن هنا كان منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام مبنياً على هذا.
ثم -أيضاً- قام منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى الكفر بالطاغوت، وكل نبي - كما في الآية السابقة- دعا قومه إلى عبادة الله تبارك وتعالى، وأن يجتنبوا الطاغوت.
وهذا الطاغوت ليس نوعاً واحداً؛ وإنما هو أنواع متعددة، ولقد أجملها بعض الأئمة رحمهم الله تعالى بأنه: كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع.
من معبود: كالأصنام والسحرة والكهنة والجن وغيرهم، أو متبوع: أن يتبعها على غير منهج الله، أو مطاع: في معصية الله تبارك وتعالى تحليلاً وتحريماً وهم يعلمون، فكل من كان على مثل ذلك فهو طاغوت، فكان كل نبي يدعو قومه إلى الكفر بهذا الطاغوت، والكفر بالطاغوت يتحول إلى واقع عملي.
هذه إلمامة سريعة مختصرة بمنهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ومنها يتبين أن كل نبي لما أرسله الله إلى قومه لم يدعهم إلى نظريات فقط، وإنما دعاهم إلى إيمان ومعرفة يتبعها تطبيق عملي، ونقلة عملية ينتقل بها الفرد، وتنتقل بها الأمة بكاملها من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن طاعة الكهان وطاعة الفساق وطاعة المشرعين بغير ما أنزل الله، إلى طاعة هذا النبي الكريم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء القوم.


مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية

ثانياً: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك.
أقول: منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: كانت دعوته عليه الصلاة والسلام امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم عليه السلام إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صدق هذا.
ثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله تبارك وتعالى، أو أشارت إليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أقول: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في مكة: 


صراحة دعوة النبي للتوحيد في مكة

أولاً: دعوة الرسول في مكة قامت أول ما قامت ناصعة واضحة صريحة أمام الطواغيت: فكفار قريش عباد الأصنام والكهنة كانوا هم المسيطرين، ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته عليه الصلاة والسلام لوحده إلا أنه بدأ هذه الدعوة صريحة؛ فبدأها قائلاً لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا).
ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فهي بداية عملية للعقيدة، ولم يبدأ معهم ليقول: أيها الناس! لابد أن تعلموا أن الله هو الحي الضار النافع المحيي المميت، وإن جاءت هذه الأشياء ضمن منهج القرآن، لكن الرسول كان يصدع ويقول: أنا رسول من رب العالمين، وكان يدعو قومه أول ما يدعوهم إليه أن يقول لهم: جئتكم بأمر واحد جلل عظيم، ألا وهو أن تقولوا: لا إله إلا الله، فكان المشركون- وانتبهوا معي لهذه القضية!- يفهمون من تلك البداية وذلك المنطلق من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كانوا يفهمون منه الجانب العملي، ولو كانوا يفهمون الجانب النظري فقط لانتهت المشكلة بينهم في لحظة، ولقالوا جميعاً: كلنا نقول لا إله إلا الله، وكل منهم يسير على ما سار عليه سابقاً.
ولهذا لما أمن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع في أحد الأيام مع قريش في مكة، وكانوا يتدارسون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرضوا عليه الأمور التي تعرفونها: تريد مالاً .
.
تريد ملكاً .
.
تريد كذا .
.
تريد كذا، والقصة مشهورة، لكن الشاهد منها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمشركين لما انتهوا من كلامهم: ما جئت أريد كذا ولا كذا ولا كذا، إنما جئتكم بكلمة واحدة، إن قلتموها دانت لكم بها العرب، وخضعت لكم بها العجم، فظن بعض المشركين أن الرسول يطلب منهم كلمة نظرية يقولونها وتنتهي المشكلة، فقال أبو جهل: يا محمد! نعطيك عشر كلمات.
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: لا إله إلا الله)، فهل استجابت قريش؟ الجواب: لا.
إذا:ً كان المشركون -وهم مشركون- فاهمين لمقتضى العقيدة، فرفضوها عن علم، بينما كثير من المسلمين اليوم ينطق هذه الكلمة (لا إله إلا الله)، ثم يأتي ويعبد الأصنام، ويستغيث بالقبور وهو يقول: (لا إله إلا الله)، لكن المشركين كان الواحد منهم يفهم أنه إذا قال (لا إله إلا الله)، فهي نقلة عملية في حياته، وأول ما يترك عبادة الأصنام، وطاعة الكهان والطواغيت، ويلتزم طاعة الله سبحانه وتعالى، لهذا لما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، قالوا جميعاً: لا.
إذاً: هو بالنسبة لهم رفض عن علم، كما أنها دعوة صريحة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم يبين فيها أن منطلق العقيدة هو منطلق عملي في حياة الإنسان.


تأسيس توحيد المتابعة

ثانياً: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: فكل من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به.
وهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظرياً، وإنما يدخل فيه نظرياً ويتبعه واقعاً عملياً؛ فيأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: مرني ماذا أقول.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان مستضعفاً، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلاً ذهب الرجل إلى قومه مطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا.
إذاً: هذه طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتخلى عن طاعة غير الله.
ولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمداً رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله متابعاً فيه للرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحياناً أو يتردد أحياناً، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجاً من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته عليه الصلاة والسلام.


موالاة المؤمنين

ثالثاً: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول صلى الله عليه وسلم ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال.
وتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحياناً للقبيلة، وأحياناً للوطن، وأحياناً للمصالح المشتركة، وأحياناً لكذا وأحياناً لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جداً بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رباهم الرسول في مكة.
وتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، و
بلال بن رباح ، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيباً، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟ الجواب: لا؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يملك من الأمر شيئاً- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة).
فأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسماً شافياً على قلبه وجراحه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليهم ويقول: (صبراً آل ياسر!)، وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين مادياً، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين.
إذاً: تحول إلى داعية همه ليلاً ونهاراً أن يبذل وقته وماله في سبيل الله تبارك وتعالى، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهداً عابداً رضي الله عنه وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.


معاداة الكافرين و البراء منهم

الجانب الرابع من منهج دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: معاداة الكافرين والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس: وهذا أيضاً منهج عملي؛ فلما آمن المسلمون واستجابوا كانوا في مكة يتعاملون مع الكفار المعاملة الضرورية، لكنهم كانوا يبغضونهم، ويعادونهم أشد العداء، ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ لأنهم كفار، ولهذا نجد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة كانوا يتعاملون مع أقوامهم المشركين على مقتضى هذا المنهج العملي، فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه قصته مع أمه معروفة، فهل كانت محبته لأمه وبره بها حاجزاً له عن أن يثبت على عقيدته ويستمر عليها؟ الجواب: لا والله! بل إنه رضي الله عنه وأرضاه صبر وصابر مع أن أمه اتخذت معه شتى الوسائل؛ فلا طاعة لمخلوق -ولو كان الوالدين- في معصية الخالق، ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة يعلنون البراءة من المشركين؛ وذلك حينما كانوا يصرخون بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).

نقل الدعوة خارج مكة

ثم بعد ذلك من التطبيق العملي في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: نقل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى خارج نطاق مكة: وهذا منهج عملي واضح جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذ ينشر دعوته بين القبائل، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم تحرك هو نفسه عملياً لنقل الدعوة؛ فذهب إلى الطائف، وتعرفون ما جرى له عليه الصلاة والسلام في الطائف، ثم إنه أيضاً نقل الدعوة إلى المدينة النبوية؛ وذلك حينما استجاب بعض الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، ثم إرسال مصعب بن عمير وغيره من الصحابة للدعوة إلى الله تبارك وتعالى في المدينة النبوية؛ حتى انتشر الإسلام هناك، وصارت مقر هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
إذاً: الخلاصة أيها الإخوة! أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقه العملي لما كان في مكة يؤسس العقيدة لم يكن يؤسسها نظرياً، إنما كان يؤسسها عملياً، فكان يقوم بتربية النفوس بالقرآن، وبالصلاة، وبالعبادة، وبالطاعة لله ولرسوله، وبالولاء بين المؤمنين، وبالبراءة والمعاداة للكافرين، وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ بحيث تنقل هذه الدعوة إلى أي مكان وفي أية فرصة، هكذا كان واقع الدعوة العملي، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤسس هذه العقيدة.


مظاهر التطبيق العملي بعد الهجرة

مما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: الناحية العملية بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة: فالرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة النبوية وأمر الصحابة بالهجرة، تحولت الحياة هناك إلى تطبيق عملي واقعي للعقيدة الإسلامية.
أيها الإخوة في الله! إن من المهم جداً أن تعرفوا أن العقيدة والإيمان والتصديق القلبي بحاجة ماسة إلى أن تتمثل في حياة الإنسان العملية، وأن تعرفوا كيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام طبق تلك العقيدة الصافية بين المؤمنين في تلك الأماكن وفي تلك البقاع حين هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة النبوية.


المؤاخاة بين المهاجرين و الانصار

أولاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: والمؤاخاة تطبيق عملي؛ فلا تظنوا أن المؤاخاة هي جوانب مناصرتك ومحبتك، بل هي جوانب رباط تربط بين المؤمنين؛ لأنهم تجمعهم العقيدة؛ ولهذا كانت الأخوة في الله من أهم الأمثلة العملية على صدقنا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهذا يأتي من خلال الإيمان، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن أحب لله وأبغض لله، وعادى لله، ووالى لله؛ فقد استكمل الإيمان.
وهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي مؤاخاة إيمان، وهي تطبيق عملي لذلك الإيمان، فعليك أنت وأخوك أن تكونوا لحمة واحدة، ويداً واحدة، وعصاً واحدة على أعداء الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار تحول المؤمنون هناك إلى كونهم يداً واحدة فيما بينهم وضد أعداءهم، وانظروا إلى الأمة الإسلامية اليوم كيف أن هذه الأخوة الإيمانية تخلخلت إلا ما عصم ربي، بل أصبح بعض المؤمنين يلاقي من الإيذاء والسخرية والعداء أحياناً من إخوانه المؤمنين أكثر مما يلاقيه من غيرهم: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو يؤاخي بين المهاجرين والأنصار كان يطبق تلك العقيدة عملياً في حياة المسلمين، ونحن اليوم وفي كل وقت بحاجة إلى مثل هذه التطبيقات العملية في حياتنا؛ حتى يكون إيماننا حقاً وصدقاً، وذلك حينما نتآخى فيما بيننا، فأخوك المؤمن في الهند، في مصر، في الجزائر، في المغرب، في أوروبا، في أفريقيا، في أي مكان من الدنيا؛ تربطك به رابطة الأخوة الإيمانية، هذه الرابطة التي تجمع المسلمين جميعاً إذا تحولت إلى رابطة إيمانية حقة صار المسلمون كلهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
لكن -ويا للأسف- انظروا إلى أحوال المسلمين تجدوا بينهم من التباغض ومن العداء أحياناً، ومن التدابر ومن التحاسد الشيء العجيب! مع أننا تجمعنا عقيدة واحدة، فكيف يكون هذا أيها الإخوة؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يراقب الواحد الديان في أقواله وأعماله وتصرفاته؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يحب أخاه ويحب له ما يحب لنفسه، ولا يرجو ثواباً من أحد، إنما يرجو وجه الله سبحانه وتعالى؟! هذا الإيمان هو الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه عملياً لما هاجر إلى المدينة؛ فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.


التطبيق العملي للجهاد

ثانياً: من الجوانب العملية بعد الهجرة النبوية الجهاد في سبيل الله: وهذا الجهاد في سبيل الله على درجات، لكن أعلاه وأعظمه أن يقدم الإنسان نفسه وروحه في سبيل الله، وهذا ما كان علماً بارزاً من الأعلام التي تدل على حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما فرض الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى كان الواحد منهم يعيش حياته جهاداً من أولها إلى آخرها، وهذا الجهاد هو التطبيق العملي، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من شيء إذا تخلينا عنه -وهو من الآثار العملية التطبيقية للعقيدة- فإننا سنتصف بالذل، فقال عليه الصلاة والسلام: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله).
والجهاد في سبيل الله مثال عملي عظيم، حيث يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله تبارك وتعالى، والدنيا لا تساوي شيئاً، والحياة كلها قصيرة ذات كدر، فمن قدم نفسه في سبيل الله تبارك وتعالى في الجهاد فقد أفلح، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل المجاهدين في سبيل الله؛ لأنه فعلاً تطبيق عملي، والواحد منا ما عنده مانع أن يبذل ساعة من وقته، وما عنده مانع أن يبذل جزءاً من ماله، وما عنده مانع أن يبذل شيئاً من جهده وقدرته، لكن أن يبذل نفسه في سبيل الله فلا! ولهذا لما جاء الصحابي الذي اعترف بالزنا والصحابية التي اعترفت بالزنا أقام عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد، ولما رجمت الصحابية رضي الله عنها وأرضاها سبها أحد الصحابة، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن هذه قد قدمت نفسها في سبيل الله، يعني: رضيت أن تقدمها ليقام عليها حكم الله سبحانه وتعالى، فكيف إذا قدم الإنسان نفسه وجاد بها في سبيل الله تبارك وتعالى؟! إن ذلك أعظم دليل على صدق الإيمان بالله تبارك وتعالى، ولذلك كان حديث القرآن عن المنافقين والمترددين والمشككين وغيرهم أعظم ما يتمثل في تركهم وتقاعسهم عن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، أما ذلك المقبل على الجهاد في سبيل الله مقدماً نفسه، فهذا دليل الإيمان.
إذاً: الجهاد في سبيل الله تطبيق عملي عظيم جداً يدل على صدق الإيمان، ويدل على قوة الإيمان، ويدل على أن هذا الإنسان فعلاً يؤمن بالله، ويحب الله، ويحب لقاء الله، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، لهذا كان الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى علامة بارزة عملية في حياة المسلمين.
والصحابي الذي كان في وسط المعركة، وليس بينه وبين الجنة إلا لحظات، هذا الصحابي الجليل يقول: (والله! إني لأجد ريح الجنة من وراء أحد)، وآخر كان معه تمرات يأكلها ليتقوى بها على المعركة، فلما بدأ يأكلها استبطأ الجنة، واستبطأ الشهادة في سبيل الله.
وقال: إنها لحياة طويلة أن أعيش إلى أن أكمل أكل هذه التمرات! ثم رمى بها، واتجه إلى المعركة، فقاتل حتى قتل في سبيل الله، هذا جانب عملي في حياة المؤمنين، أما الدعاوى فقد يدعي الإنسان ويدعي ويدعي، ثم إذا طُلب منه القليل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى تكاسل! وهذا يدل على أن تلك الدعاوى غير صحيحة.


إيجاد النوذج العملي للعقيدة

أيضاً من الجانب العملي لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة: إيجاد النموذج العملي للعقيدة: فقد كان الواحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تطبيقاً عملياً لكل ما يؤمن به، حيث كان ذا طاعة تامة وامتثال مباشر، وهذه هي الحقيقة الإيمانية.
فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر كان بعضهم جالساً يشرب الخمر، فيأتيه الأمر من الله سبحانه وتعالى بتحريم الخمر؛ فيقلع عنه خلال لحظات.
والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله تبارك وتعالى بالحجاب فتبادر بامتثال هذا الأمر الرباني، فتحتجب، وتصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة وهي محتجبة، ولقد كانت الصحابيات كأنهن الغربان حين صلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأمر بالحجاب.
فالرسول كان يأمر فينفذ أمره، والرسول يقول فيُسمع ويُطاع قوله، أما نحن اليوم فمن مصيبتنا أننا نؤمن نظرياً؛ ثم إذا جئنا إلى الجوانب العملية نجد التنفيذ قليلاً أو ضعيفاً أو أحياناً لا يوجد تنفيذ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي؛ ولهذا كان كل صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تجده في معاملته وخلقه وسلوكه وأموره كلها تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة، حتى إن الواحد منهم كان لا يكذب ولا يغدر، حتى على الكفار.
فهذا
خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه لما أسر وذُهب به إلى مكة سجن، ولما حدد موعد القتل ليشهده الطغاة والكفار في مكة لتنفيذ الإعدام والقتل لهذا الصحابي الجليل سجنوه في أحد البيوت، ومع هذا فإنه رضي الله عنه وأرضاه لم يغدر، حيث إن المرأة أرسلت لـخبيب الموسى حتى ينظف نفسه؛ ليستعد للقاء الله سبحانه وتعالى والشهادة في سبيله؛ كما يستعد المحرم عندما يحرم بالحج أو العمرة؛ فإنه يتنظف ويزيل عنه شعثه وغبره وشعره الزائد استعداداً للإحرام، كذلك أيضاً فعل خبيب ؛ لأنه يعلم أن المشركين حددوا ذلك الوقت ليقتلوه، فأخذ يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، فطلب الموسى حتى يستحد، وحتى يهيئ نفسه؛ ليكون نظيفاً طاهراً في ثيابه وفي جسده الظاهر، كما أنه نظيف طاهر في قلبه وإيمانه رضي الله عنه.
فأرسلت المرأة التي كان خبيب يسكن عندها الموسى مع طفلها، فذهب هذا الطفل ليعطيه إياه، فلما مرت عليها لحظات تذكرت أنها وقعت في ورطة، وقالت: أرسلت طفلي بالموسى لرجل ينتظر القتل بعد سويعات، فما يؤمنني لعله أن ينتقم من المشركين بأن يقتل هذا الطفل في آخر لحظة، حتى يؤدب أبا هذا الطفل وغيره ممن تعاونوا على قتله! وفعلاً ذهب الطفل وأعطى خبيباً الموسى، وبعد أن يعطيه الموسى إذا بالأم تأتي هلعة مذعورة، خوفاً على ابنها، فقال لها خبيب: (هل تخافين عليه مني؟! ما كنت لأفعل).
إنه خلق الإيمان منه رضي الله عنه وأرضاه! وهكذا يتحول المؤمن في كل مكان إلى واقع وتطبيق عملي لهذه العقيدة، فلا يكذب على إخوانه المؤمنين، ولا على غيرهم، ولا يغدر حتى ولو على الكفار، إلا إذا كان وقت المعركة والحرب مع من لا ذمة له، فالحرب خدعة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن من خلق المؤمن أنه لا يستبيح أموال ولا دماء ولا أعراض الكفار إلا إذا كانوا محاربين.
إذاً: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد رُبوا على أن تكون حياتهم تطبيقاً عملياً لتلك العقيدة.


تحذير النبي من امور في العقيدة

وننتقل إلى الأمر الرابع المتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ألا وهو: جوانب من التحذير حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تؤدي إلى واقع عملي فيما يتعلق بالعقيدة وأثرها، ومن ذلك ما يلي: 

التحذير من الفتن

أولاً: حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الفتن والوقوع فيها: لأن الفتن إذا وجدت ووقعت قد تؤدي إلى الضلال والإلحاد، وهذا التحذير تحذير نظري وعملي، وهذا واضح جداً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخوض في وقت الفتن، ونهى عن القتال في وقت الفتن؛ لأن هذه الفتن تكون نظرية وعملية في حياة الناس إذا وقعت، والإنسان المؤمن هو الذي يحذرها نظرياً، ثم أيضاً يحذرها عملياً، فلا يخوض فيها، ولا يشارك فيها.

التحذير من مشابهة الكافرين

ثانياً: التحذير من مشابهة اليهود والنصارى: وهذه مفارقة عملية لحياة المسلمين، وانتبهوا لها أيها الإخوة في الله! فقد جاء أكثر من حديث للنبي عليه الصلاة والسلام حذر فيه من مشابهة اليهود والنصارى والسير في طرقهم، بل صارت المشابهة أصلاً في التحريف، أي أنها جانب عرف عن الكفار واختصوا به، فلا يجوز للمسلمين أن يعملوا ذلك؛ لأنه والحالة هذه يؤدي إلى المشابهة، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من ذلك لأن اليهود والنصارى كانوا على ضلال، ولا يزالون على ضلال إلا من هداه الله.
فالرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن يحذر المؤمنين في حياتهم العملية والواقعية نهى عن التشبه بالكفار، وهذا التشبه لو تأملتم اليوم حياة المسلمين ستجدون عجباً! ولو طبقنا هذا لوجدنا جوانب عجيبة في حياتنا يتمثل فيها ذلك، لكن الأمر وللأسف صار بالعكس؛ حيث صارت مشابهة الكفار واليهود والنصارى مسخرة لبعض المسلمين، وانظروا كيف انقلبت الموازين وانعكست في حياتنا؛ ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حذر من مشابهة اليهود والنصارى إنما هو تحذير عملي واقعي يؤدي إلى تطبيق التميز لعقيدة المسلمين، فالمؤمن يتميز في أي مكان عن أي يهودي أو نصراني أو وثني أو كافر أو مشرك، لكن إذا رضي المسلمون تلك المشابهة، ورضوا بأن يكونوا مثلهم في أخلاقهم وسلوكهم، لم يحصل تميز المؤمن من غيره، ولهذا ذكر شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم) أن المشابهة الشكلية تؤدي إلى المشابهة العقلية، فالإنسان إذا شارك قوماً في عاداتهم وأكلهم ولباسهم وغير ذلك، فإنه لا محالة تنتهي به الحالة إلى أنواع من المشابهات في أخلاقهم وسلوكهم وربما عقلهم، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيراً تاماً.

التحذير من عبادة القبور

أيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله سبحانه وتعالى، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.

 للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود