الاثنين، 1 أكتوبر 2012

مستقبل الدعوة السلفية.. رؤيـة نـقـديـة

مستقبل الدعوة السلفية.. رؤيـة نـقـديـة 

الشيخ محمد حسين يعقوب
 
الدعوة السلفية هي عماد الصحوة الإسلامية المعاصرة، وهــي مـــادتها، وقاعدتها القوية التي تصل ما انقطع بين الخلف وسلفهم الطيب الصالح، وتدعو الــنـاس إلى منهج الجيل الراشد، وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأن ذلك النهــج وذلك الهدي هما في الحقيقة منهاج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، كما قال: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الدعوة المباركة تتحمل تبعات جسام فـي مسيرة الإحياء الإسلامى الجديد، تستدعي من أبنائها وأهلها أن يكونوا على قدر هـــذه التبعات، علماً وحكمة، وسعة وإدراكاً، وجهداً وجهاداً، وأثبت عند النوازل والفتن عـلــــى مختلف أنواعها وصنوفها.
بيد أن الأمر الذي لا يسعنا تجاهله أو تجاوزه، هو أن هذه الدعوة وأهلها مـــن العلـمـاء والـدعـــــاة والـمفكرين والعاملين يبقون بشراً من البشر، وتبقى جهودهم في هذا السبيل جهوداً بشرية، يعتريها ما يعتري الجهد البشري من عوارض مختلفة؛ منها الزلل، ومنها الخطأ، ومنها الغلو أو الإفراط أو التفريط، ومنها الذهول عن بعض الحقائق المنهجية أو العلمية أو الواقـعـيــة، ومـنـهــا ضعف بعض النفوس أو ضعف بعض الهمم، وهذه كلها سلبيات تقع لكل جهد بشري، فطرة الله، ولا عصمة لأحد من الناس بعد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وهذه الحقيقة من شأن استحضارها أن ينفي الحساسية الزائدة من أي ممارسة نقدية أو تقويمية ذاتية تتوجه إلى الجهود الدعوية المرتبطة بالمنهج السلفي، وإذا كنا نتوجه بالنظر والتقويم والنقد والتصحيح لمجهودات إسلامية مختلفة، من فصائل وأحزاب وجماعات، على قربها أو بعدها من المنهج الرشيد، فلماذا نستنكف نحن أن نقوم أنفسنا، ونعيد النظر في مسار الدعوة السلفية كل حين للكشف عن المعوقات أو الآفات والسلبيات التي تعترض مـســــار هذه الدعوة، أو التي تشينها، أو التي تتسبب في فتنة الآخرين تجاهها؟
إن انتساب أي شـخـــــص أو حركة أو تيار إلى المنهج السلفي لا يعني منحه صك عصمة مفتوحاً، بحيث يكون كل قول له أو فعل أو سلوك أو تقدير حقاً لا مراء فيه، ورشاداً لا زيغ معه، واستقامة لا اعوجاج بها، فهذا كله غلو ينبغي أن تتنزه عنه الدعوة السلفية، ولابد أن نملك الجرأة والثقة التي تجعلنا نعيد تقويم جهودنا الدعوية، بعدل وإنصاف، وتواضع وجد، حتى لا تتـراكـــم الأخـطـاء، أو تتكاثف السلبيات، أو تتضخم الهفوات بما يهدد وجود الدعوة، ونكون عياذاً بالله فـتـنـة للناس، في تقديرهم وحكمهم على منهج الفرقة الناجية ذاتها، والدعوة السلفية بوجه عام.

ثلاث ملحوظات مهمة:
وفق هذا الاطار، وتلكم الرؤية، تجيء هذه الملحوظات الثلاث التي أقدمها للقارئ المسلم، باعتبارها محاور أساسية، ألاحظ وجــود الاضطراب بسببها عند بعض الجهود الدعوية، وأرى أن ضبطها ووعيها و ترشيد الـمسار الدعوي فيها هو مطلب بالغ الأهمية وشديد الخطورة، ومن شأن الإحاطة به و إنـجــازه أن يختصر الكثير من مـسـافــات الطريق نحو التمكين لدين الله ودعوة الحق في مستقبل البشرية إن شاء الله تعالى: 
الملحوظة الأولى: وتتعلق بفهم طبيعة الدعوة، ومداها، ورسالتها العامة، إذ هناك نفر من الدعاة يظنون الدعوة إلى التوحيد مجرد عمل تثقيفي أو تعليمي، تصحح به تصورات الناس تجاه مفهوم "الربوبية" و"الألوهية" ومنهج أهل السنة في"الأسماء والـصـفــات" المتعلقة بالباري سبحانه وتعالى فحسب، دونما بيان شاف كاف عن تجليات هذه العقيدة في واقع الناس وسلوكهم ونظمهم الاجتماعية والقيمية والتشريعية ومشاعرهم وولائهم وجـهــادهم وغير ذلك. وهذا الاتجاه المحدود، لو تعززت وجهته في الدعوة السلفية، فستنتهي بنا حتماً إلى حصر الدعوة الإسلامية بشمولها في نوع من الجدل الكلامي الذى يكثر فيه تشقيق المعاني وتهويم الخواطر، وتناطح الأمثلة التجريدية، وإتاحة الفرصة تماماً أمام التيارات المنحرفة لصياغة الواقع الاجتماعي، وبنيان الأمة وفق مناهجهم الفاسدة.
وهذا الخلل في الحقيقة يقدم بصور مختلفة أخرى، منها الحديث عن أن (تصحيح العقيدة) فقط هو مطلب هذه المرحلة، وليس من واجب الداعية وربما ليس من المشروع له أن يحدث الـنـاس عـــــن الانحرافات الخلقية، أو أزماتهم الاقتصادية أو مشكلاتهم التشريعية، أو تحدياتهم الدولية، أو هموم واقعهم المختلفة، فلابد أولاً من تصحيح (عقيدة) الناس، ثم في مرحلة لاحقة نصحح باقي الانحرافات، ولا شك أن هذا انحراف كبير عن هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودعوة الإسلام قاطبة عند النبيين والمرسلين.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يـدعـــو قومه إلى التوحيد الخالص في مكة- طوال ثلاث عشرة سنة- ليخرج قومه من ظلمات الجاهـلـيـــة والوثنية والإشراك بالله إلى نور التوحيد، ومع ذلك الحرص الشديد على دعوة التوحيد، فــإن الـرســول صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في تصحيح الانحرافات الاجتماعية كلها في الواقــع الـذى يعـيـشـه، ويقرن ذلك كله بالتوحيد، حتى لكأنهما بناء واحد لا يمكن فصل بعضه عن بعض في دعوة الحق، وحسبنا في ذلك القرآن المتلو في مكة:
ألم يكن مما تلاه صلى الله عليه وسلم على قومه في مكة {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (*)الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (*)وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ (*)أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (*)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (*)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ (*)} ؟!
أرأيت كيف ترتبط الدعوة إلى العدل والقسط و النزاهة بالإيمان بالله واليوم الآخر؟
أولم يكن مما تلاه صلى الله عليه وسلم على الناس بمكة قول الحق تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (*)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (*)وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (*)فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (*)الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (*)} ؟!
أرأيت كيف ارتبطت العقيدة بالسلوك الاجتماعي بالعبادة في رباط واحد وسياق واحد؟
ألم نقرأ ما نزل من آخر سورة الفرقان، وفقه الدعوة وشمولها فيه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (*)وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (*)يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (*)إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (*)وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (*)وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (*)} ؟!
ألم يربط القرآن أذهان المسلمين بالأحداث الدولية الجارية في زمانهم وآثارها على الجماعة المسلمة، رغم بعد المكان، وانعدام الصلة تقريباً من الناحية العملية بين هذه الجماعة وتلك الأحداث: {غُلِبَتِ الرُّومُ (*)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (*)فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (*)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ (*)} ؟!
وعلى هذا النهج فقس، وهو أمر يطول ويشغل الصفحات العديدة، وهذا كله فيما نزل بمكة، ولا يوجد موحد آنذاك على الأرض إلا بضع عشرات من المؤمنين بقرية من قرى كوكب الأرض، وهذا أسوقه لمن يقابل بين واقع المسلمين الحالي وواقع مكة: من بعد الناس عن التوحيد أو جهلهم به، وهذا أمر لا يسلم تماماً، فأوجه الافتراق واضحة، كما أن أوجه المشابهة موجودة أيضاً.
ثم هل جاء نبي أو رسول من رسل الله، إلا وكان يدعو إلى إصلاح المجتمع كله، وليس فقط تصحيح العقيدة فقط؟! ألم يكن منهم من جمع بين الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى التنزه عن فاحشة إتيان الذكـــران، ومنهم من دعا إلى القسط في المعاملات التجارية: {أَوْفُوا الكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ (*)}، ومنهم من دعا إلى إزالة التجبر والطغيان:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (*)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (*)وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (*)فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (*)}، أولسنا مأمورين بالاقـتــداء بـهــذه الكوكبة الرائعة من دعاة التوحيد. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}؟ ! .
إن الدعوة السلفية مطالبة بمحاصرة هذه الجـهـــود الانعزالية المنتسبة إلى المنهج السلفي، وهي في حقيقتها لا تتعدى الصورة الجديدة للمـنـهـج الصوفي الانعزالي القديم، الذى عزل الدين عن الدنيا وهموم المجتمع ومقتضيات الاستخلاف في الأرض، قبل أن تأتي العلمانية لتستثمر هذا الانحراف وتؤسس عليه تخريبها الكبير في ديار الإسلام.

الملحوظة الثانية: وهي محور أساس وجوهري من محاور الدعوة الإسلامية. يذهل المرء عندما يجد دعاة منتسبين إلى المنهج السلفي ينازعون فيه، أو يحقرون من قيمته، وذلك هو أصل معرفة الزمان، والوعي العميق بالواقع الاجـتـمـاعــي الذي تتحرك فيه الدعوة، وتتنزل به الأحكام، وقديماً قال الصالحون: (رحم الله امرءاً عـــرف زمـانـــه فاستقامت طريقته).
إن البصيرة النافذة بأحوال الزمان وأحوال الناس فيه، والعلاقات التي تتحكم في سلوك الناس الاجتماعي وتؤثر في اتجاهات هذا السلوك، والضغوط التي تفعل فعلها في الواقع، وموازين القوى، وأعراف الناس المتغيرة، وهموم المسلمين، وما عمت به البلوى وما لم تعم، والأخطار المحدقة بالأمة من خارجها ومن داخلها، ومواقع القوة أو الضعف فيها وفي أعدائها، ونحو ذلك من أحوال، هذا كله ليس مجرد جهود محمودة، بل هو مطلب شرعي لا تستقيم الدعوة، ولا تنضبط أحكام الشريعة بدون تحصيله، وبــدون هذا الفقه للواقع لا يمكن لمسلم تنزيل قاعدة (المصالح والمفاسد)، ولا أصل (لا ضرر ولا ضرار)، ولا أصل (ارتكاب أخف الضررين) ولا باب (سد الذرائع) ولا باب (الضرورات العامة ومــا تعم به البلوى) وغير ذلك الكثير من مقتضيات الدعوة وأصول الأحكام، ومن دخل في شيء من هذا كـلــه بدون معرفة بالزمان وبصيرة بأحوال المسلمين وفقه لواقعهم، فهو مغامر ولا شــك، وضـــارب في عماية، ولا يؤمن جانب دعوته وفتواه أن تودي بالمسلمين إلى موارد الهلكة والفساد.
ولقد كــان مـن هـــدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، مراعاة أحوال الناس، والبصيرة بواقعهم وظروف الــزمـان، وموازين السلوك الاجتماعي، وكان يوجه دعوته صلى الله عليه وسلم وفق ذلك الاعتبار، فيقدم ويؤخر، ويوجه ويرشد.
روت لنا كتب السنة -الصـحـيـحــان والنسائي وأحمد واللفظ لمسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قال رسول الله: ولولا حدثان قومك بالكفر لفعلت».
لقد وعى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقــع الـنـــاس وحساسـيات ذلـك الواقع، ووضع ذلك كله في اعتباره وتقديره، فأخر ما كان يحب فـعـلــه مراعاة لذلك الواقع، وقد ثبت أن ابن الزبير رضي الله عنه حقق ما أمله رسول الله صـلــى الله عليه وسلم فيما بعد، بعد أن تغير الواقع واختلفت موازينه.
وروت لنا كتب السنة -و اللفظ لمسلم في صحيحه- من حديث معاذ بن جـبـــل رضي الله تعالى عنه قال: «كنت ردْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقـــال له عفير، قال فقال: يا معاذ؛ تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله عز وجل ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال قلت: يا رسول الله أفلا أبـشـــر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا».
وفي هذا الحديث الجليل فائدتان، الأولى هي هدي النبي صلى الله عليه وسلم عندما مـنــع إذاعة البشارة في ذلك الوقت مراعاة لأحوال الناس، ومبلغ فقههم وانتشار العلم فيهم، ودرجـــــة وعيهم بوضع هذه البشارة من سياق التكليف كله، ومن لا يعرف واقع الناس لن يفهم قـيـمـــة ذلك الهدي الجليل.
والفائدة الأخرى من اجتهاد معاذ بن جبل رضي الله عنه، عندما أذاع هذه البشارة قـبـل مـوتته، وما ذلك إلا لمعرفته بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن الـمـنــع كان متعلقاً بواقع الناس، فلما تغير الواقع، وشاع العلم، وتمكن الإسلام في النفوس، أذاع البشارة تأثماً من كتمان العلم، ومعاذ رضي الله عنه هو من هو في معرفة الحلال والحرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختاره لتبليغ الدعوة ونشرها في اليمن، وبعث مـعـــه أبا موسى الأشعري، وأوصاهما في مهمتهما الجليلة فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تـنـفـــرا».
واليسر والبشارة أو العسر والتنفير ليسا من الأمور النظرية المجردة، وإنما هي مرتبطة بواقع الأحكام والدعوة في المجتمع وبين الناس، فمن جهل طبيعة الواقع أو تجاهل أحوال الـنـاس لم يدر هل يسر عليهم أم عسر، وهل نفرهم عن الدعوة أم حببهم إليها، فضلاً عن مـتـى يكون التكليف يسراً في الواقع، ومتى يكون عسراً
وواقعة حديث معاذ رضي الله عنه نفسها تكررت مــع أبي هريرة رضي الله عنه، وروتها كتب السنة، إذ حمله الرسول صلى الله عليه وسلم الـبـشــارة: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة» فـقــال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه و سلم: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهـم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فخلهم»، وفي هذه الواقعة فائدة إضافية، وهي اجتهاد عمر رضي الله عنه في معرفة الزمان وأحوال الناس وواقعهم وبالتالي أثــر البشارة في ذلك الواقع، ولا شك أن اجتهاد عمر أتى من خلال معرفته بهدي نبيه ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك الاجتهاد متوافق مع ما تعلمه منه، لأن مثل عمر لا يقدم بين يدي الله ورسوله، ثم فائدة اجتهاد أبي هريرة في إذاعة الحديث في زمان لاحق، بدليل أنه وصلنا الآن ودونته كتب السنة.
وروت لنا كتب السنة -واللفظ للبخاري في صحيحه- من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمّعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما هذا؟ فقالوا كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها مُنْتِنة"، قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ثم كان المهاجرون بعدُ، فقال: عبد الله بن أبي: أوقد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعهُ، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتُل أصحابه».
فانظر إلى حكمة النبي الكريم وهديه، فالخِطاب لم يتعلق برفض ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه من كونه يستحق القتل على فعلته، وإنما الخِطاب تعلق بأثر ذلك الفعل في "الواقع" ومدى تأثيره في حركة الدعوة ومسيرة الجماعة المسلمة وفتنة الناس «لا يتحدث الناس أن محمداً يقـتل أصحـابـه»، و ابـن أبي ليس من أصحابه ولا شك، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن واقع موضوعي ينبغي مراعاته، بغض النظر عن الحكم المطلق، إذ عامة العرب لا تعرف هذه التفصيلات الداخلية في الجماعة المسلمة، وإنمــا هي تنظر إلى مثل ابن أبي بن سلول على أنه من أصحاب محمد، فهل لنا من السير على مـثــل هـــذا الهدي النبوي الكريم؟!.
والـشـواهـــد على ذلك الهدي تطول، ولعل باحثاً نابهاً يجتهد في جمعها واستقصائها في دراسة شاملة، فهذا مما يحتاج إليه الشباب بخاصة في هذه الأيام، وحاصل الكلام هنا أن معرفة الزمان، والبصيرة بالواقع، وفقه أحوال الناس، وهموم الأمة الداخلية والخارجية، هي مطلب شـرعـي ملح، ولا سيما في هذه الأيام، ولا تستقيم دعوة، ولا يهدي بيان لا يمتلك هذا الأساس القوي الجليل، وإن من يكابرون في ذلك ويعاندون -ولا أقول يخالفون- يلحقون أبلغ الضرر بالدعوة السلفية، ويفتحون باباً واسعاً لفتنة الناس والشباب في جدية هذه الدعوة وفاعليتها وقيمتها.

الملحوظة الثالـثــة: وهي متعلقة بفقه الاختلاف، والذي تحول إلى ثغرة خطرة تهدد بنيان الدعوة، وتؤرق أبناءها، حيث أصبح كل خلاف ينشأ بين اثنين أو وجهتين من أبناء الدعوة هو بمثابة حــرب شرسة، لا توسط فيها ولا رحمة، والخائض فيها إما قاتل وإما مقتول، من سهام التـجـريح والتقريع والاتهام في النوايا والسرائر، وترصد الشوارد، وتلمس السقطات، وغير ذلك على قاعدة "لا نجوت إن نجا"!

مسائل ثلاث: 
والحديث هنا يتعلق بثلاث مسائل:
المسألة الأولى: وتتوجه إلـى أدب الاخـتــلاف، حيث يتوجب استحضار روح الأخوة والرحمة واللين وخفض الجناح وإحسان الظن فـي خــلاف أهل الإسلام، ولا سيما أبناء المنهج السلفي الواحد، فهم أهل ذلك وهم الأولى به، وضرورة النأي عن الفظاظة والقسوة والعنف والتجريح والطعن في النوايا، وهذا هو الأصل العام للدعوة الإسلامية:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
والخلافات لا تنتهي في الفروع ومواطن الاجتهاد، فليس يعقل أن يصبح كل خلاف مشروع حرب، وتوطئة إلى القطيعة وربما السباب، إلى الحد الـــذي أصبحت فيه الخلافات بين أبناء الدعوة السلفية تتسم في كثير من الأحيان بالشراسة والمرارة والقسوة، فما أبعد الطريق بيننا وبين أخلاق سلفنا الصالح.
روى الذهبي في (سير أعلام النبلاء) قول يونس الصدفي رحمه الله تعالى قال: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقـيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مـسـألة؟)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (.. ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة).

المسألة الثانية: تتعلق بتوصيف الاختلاف، فعلى الرغم من أننا نملك نصوصاً واضحة في بيان السعة في أمر الاجتهاد، من أجلاها قول الرســـول الكريم - صلى الله عليه وسلم-: «إذا اجتهــد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، إلا أن كـثـيــراً من المختلفـيـن يـضـن بعضهم على بعض أن يكون له ولو أجر واحد، أو أن يتركه في حال سبيله لا عليه ولا له! إذ أن الخطأ الاجتهادي أصبح وضعاً غير معترف به الآن في الحــــوار، وحلــت محله أوصاف أخرى أشهرها البدعة والكفر، فمن خالف أخاه في مسألة فهو إما مبتدع وإما كافر، أما أن يقول: مخطئ في اجتهاده، فهذا وصف أصبح عزيز المنال في واقعنا الحالي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الـمـسـألة الثالثة: وتتعلق بظـاهرة الترصد لأخطاء الآخرين، وتلمس عثراتهم، بــل ونصب الشراك لهم على طريقة: ماذا تقول في كذا؟ أتقصد أن تقول كذا؟ على أمل أن يظفر منه بهفوة أو سقطة فيطير بها، ويشنع عليه فيها، والحقيقة أن الأمر في ذلك وصل إلى حـــد مَرَضِي، يصعب تخيله في بعض المنتسبين إلى المنهج السلفي الراشد، وهناك من يحترف التنقيب في كتابات مخالفيه، ثم ينتقي منها فقرات يحملها على أسوأ محتملاتها ومعانيها، ليخلص منها بأن صاحـبـهــا قصد كذا وكذا، فهو إذن مبتدع أو ضال أو كافر، حسب التصنيف الذى يمن به عليه، وأحياناً يبدو للمتابع أن بعض الناقدين يسعد كثيراً إذا أثبت البـــدعة أو الكفر على أحد من المجتهدين أو الدعاة، وكأنه يبتهج بأن يتعزز صف الـمـبـتدعين والكفار بزيادة رمز جديد إليهم، هذا إذا صح ظنه وسلم طعنه، فكيف وأغلبها الأعم تحكمات في الأفهام، وتهويل في التأويل، واساءة ظن بأهل الإسلام؟!
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلمس شبهات البراءة لأهل المعاصي، فيأتيه الرجل يقول له: زنيت فطهرني فيقول إمام الهدى: لعلك فعلت كذا، فيقول لا بل زنيت فطهرني، فـيـعـــاود إمام الرحمة: لعلك فعلت كذا، مرات عديدة عساه يجد له مخرجاً، وتهمته معصية، فما بالنا مع من تهمته الكفر والابتداع في الدين، لا سيما إذا كان من أهل الفضل أوالدعــاة أو العلماء أو العاملين للإسلام؟!!
إن الأولى بالمسلم الراشد أن يتلمس للناس المخارج، ولا سـيـمـا فــي التهم الشنيعة، ويقول: لعله قصد كذا، ولعله أراد كذا، وربما لعله سها،و لعله فاته الدليل. هذا هو سبيل الراشدين، وهذا هو نهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ليس فقط في ما هو محتمل، بل في ما هو وقوع في بدعة صريحة، وعرف عمن أخـطــأ فيه السلامة، ولم يعرف عنه الدعوة إلى البدع والخروج على منهاج الـسـنـــة، يـقــول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها مالم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإن اتقى الـرجــل ربه ما استطاع دخل في قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، وفي الصحيح قال: قد فعلت.
ويقول العلامة شمس الدين الذهبى في سير أعلام النبلاء في ترجمته عن قتادة بن دعـامــة الـســدوسي التابعي الجليل أحد أوعية العلم: (... وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطّـرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك).
الله أكبر، أين من هذا البيان الفذ من يتصيدون الكلـمـات والهفوات للدعاة، فيطيرون بها كل مطار؟ وأين من هذا البيان الراشد من لا تقر أعيـنـهـم إلا بأن يثبتوا بكل سبيل وكل حيلة ضلال داعية أو ابتداع فقيه أو كفر مجاهد من المجاهدين؟
إن هذه الظاهرة الطارئة والشاذة من بعض أبناء الدعوة السـلـفـيـة، من شأنها أن تسيء إلى الدعوة برمتها، وأن تؤسس للفتنة، وتضع منهجاً جديداً للتدمـيـر، ولو أخذ كل داعية أو عامل بمثل هذا المنهج الاتهامي فسوف يأتي يوم لا يوجد فـيــه على وجه الأرض سلفي واحد غير متهم، لأنك لن تعدم في أحد كائناً من كان إذا ترصــــدت ما كتب وما قال، أن تظفر عنده بكلمة أو عبارة أو سطر تحتمل احتمالاً، أو حتى تـحـمــــل سقـطـة أو هفوة. ونسأل الله اللطف بعباده.
هذه هي الملاحظات الثلاث التي أردت الوقوف عـنـدها، وعرضها على القارئ المسلم، ولا سيما الدعاة والعاملين في سلك هذه الدعوة، من بـــاب النصيحة لدين الله ولدعوة الحق، وهي ملاحظات مراقب -مجرد مراقب مسلم- للظواهر الطارئة في الدعوة السلفية أو المخاطر المرتبطة بها، وهي مخاطر تتهدد مستقبل هذه الدعوة، ومن ثم مستقبل الصحوة الإسلامية كلها، لأن الدعوة السلفية هي قطبها ودعــامـتـهـا وروحها المحركة.
أرجو أن أكون قد وفقت في بيان ما قصدت إليه فـيـهـــا، فإن أدركت الصواب فمن الله تعالى وبرحمته، وإن أدركني الخطأ فمن نفسي وبتقصيري، والحمد لله أولاً وأخيراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

السلفيون وحفظ الأوطان: المنهج والتطبيق

كتبه/ علاء الدين عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
هل يحتاج الأمر إلى عناء كبير للتمييز بين مَن يحرص على مصلحة البلاد وأمنها وبين من يريد إشعال نيران الفتن فيها؟!
وهل من الصعوبة بمكان معرفة من يوافق قوله عمله ممن يخرج علينا دومًا بشعارات جوفاء عن المحبة والتسامح؟!
وهل يستوي اليقظ لقضايا الأمة المصيرية الواعي لدوره تجاهها مع من يتعصب -دائمًا- لأجندته المبنية على العصبية الجاهلية البغيضة لإخوانه من أهل الكفر والنفاق؟!
إجابتي -بل إجابات الكثيرين في أغلب الأحيان- ستكون بالنفي؛ إذ الواقع خير شاهد، ولكن المغرضين أصحاب الأقلام المأجورة والمناهج الفاسدة سيكون لهم بالتأكيد رأي آخر.
كم مرة سمعنا فيها وقرأنا اتهامًا مغرضًا للإسلاميين عمومًا "والسلفيين خصوصًا" بأنهم أساتذة التشدد، وأصحاب التطرف، ورعاة الإرهاب؟!
وكم مرة رأينا فيها السلفية تُقرن بالفتن الطائفية، وهي من الفتن براء؟!
"السلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي من جهة ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى
"
وكم رماها أعداؤها –عن قلة علم أو سوء نية- بضد ما تدعو إليه من منهج إسلامي صاف عن البدع والأهواء والأفكار المحدثة غربيها وشرقيها؟
ومما رُمي به السلفيون دومًا في خضم هذه المعركة أنهم أناس لا يحبون أوطانهم، بل هم شر على أوطانهم من أعدائها المعلنين بالعداوة، بل زعم المبطلون أنه ما أصاب البلاد من فتن وأمراض اجتماعية إلا جراء انتشار أفكارهم واستفحال خطرهم!
ولك الله إن تركت وحدك في معركة مع هؤلاء في خصومة هم فيها الخصم والحكم، ولك الله حينما لا يكون عدوك عدوًا عاقلاً ولا حكمًا منصفًا.
أما المنصف -وإن خالفك- إذا أراد أن يحكم عليك أو على جماعة بشرية يجمعها إطار منهجي معين؛ فإنه يرجع إلى الأصول العقدية لهذا المنهج أولاً من واقع مراجعه وأصوله، ويرجع -ثانيًا- إلى التطبيق العملي من قبل هذه الجماعة البشرية لهذه الأصول من واقع تاريخهم والأحداث التي مرت بهم، يفعل ذلك بتجرد، ثم يقدم رؤيته وحكمه.
ولكن القوم لم يكونوا صادقين مع أنفسهم -فضلاً عن أن يكونوا كذلك مع غيرهم-؛ فيتبعوا هذا الطريق المنصف، ولم يكونوا عادلين في أحكامهم؛ إذ تحركهم -دومًا- الأهواء، وليس طلب الحق، ولم يتحلوا -كذلك- بالشجاعة العلمية اللازمة؛ ليقارعوا الحجة بالحجة والبيان بالبيان، بل عادتهم التشغيب وعلو الصوت، وإلقاء التهم جزافًا، ثم الهروب من المواجهة، ودأبهم المسكنة الزائفة وبكاء حال الأوطان، والتشبه بلابس ثوب الحكمة، والحكمة له مجافية.
فهيا في هذه العجالة نستعرض منهج السلفيين وأفعالهم في هذا الجانب -الحفاظ على الأوطان-؛ لكي نكون على بصيرة من أمرنا ونخلص الحقائق من الأكاذيب.
أولاً: في الجانب المنهجي:
لو طالعت كتب السلفيين ومراجعهم وأدبياتهم؛ لوجدت كثيرًا من المصطلحات ذات الدلالة بخصوص حديثنا هنا عن أمن الأوطان والحفاظ عليها، ومن ذلك:
1- السلفية منهج إصلاح:
فالسلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي غير المنضبط بضوابط الشرع في الدماء والأموال ولا العابئ بالمفاسد والمصالح ولا المراعي لموازين القدرة والعجز، ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى، فبينما سعى الاتجاهان الآخران للسلطة -بالعنف أو بصناديق الانتخابات-؛ لنوال الحكم والسيطرة عليه أو المشاركة فيه؛ لم يسع السلفيون للحكم بأنفسهم ولا دعوا إلى أنفسهم وأعلامهم، بل يدعون -دائمًا- إلى أن يكون الحكم لله، وأن يُحكموا هم بشرعه، وليس أن يتولوا هم هذا الحكم بالضرورة.
وهذا التغيير المنشود ليس مبهمًا ولا ضبابيًا، بل هو تغيير منصب -أساسًا- على البشر، وموجه إلى عامة الناس، قوامه الحرص على إيجاد الفرد المسلم الذي حسن إسلامه، وتم بناء شخصيته في تكامل مأخوذ من تكامل الإسلام نفسه؛ تربية متوازنة وعلمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وعقيدة سليمة، وأخلاقا حسنة، وسلوكًا سويًّا، كما بين الرسول -صلى الله عليه وسل ذلك كله في سياق بيانه للدين في حديث جبريل -عليه السلام- عن الإسلام الإيمان والإحسان.
وهو -كذلك- تغيير قائم على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من السلف الصالحين أئمة الدين، دعوة لتغيير لحياة الأفراد ونظام المجتمع وأسلوب الحكم، وليس تغييرًا أجوف من أجل التغيير فحسب، ولا تغييرًا ذا نظرة ضيقة من أجل إسقاط حزمة قوانين ومواد دستورية، أو معارضة لحكم قائم أو خروجًا عليه، ولا لتغيير أوجه واستقدام آخرين، ولا لنصرة حزب سياسي ذي أجندة غير مستمدة من أحكام الشرع الحكيم.
"السلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها
"
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ويرتبط بما سبق من عرض للمنهج السلفي: قضية الاحتساب، أي: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإشاعته قدر الإمكان والوسع والطاقة بين كل من يقدر عليه، نصحًا يقوم به بنفسه أو بغيره متعاونًا معه في ذلك، أو تنبيهًا لغيره من القادرين عليه، وهذه الحسبة لها ضوابط وآداب ينبغي على القائم بها مراعاتها؛ وإلا كان مفسدًا غير مصلح، منفرًا من الحق غير داعٍ إليه، بل ينبغي للمحتسب أن يكون مخلصًا في ذلك حتى تكون دعوته إلى الله وليس إلى نفسه، صابرًا على ما أصابه، كما ينبغي أن يكون أمره بالمعروف معروفًا ونهيه عن المنكر غير منكر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والذي يلقبه غير المنصفين بإمام التطرف، ومنظِّر الإرهاب، وكأنهم لم يطالعوا منهج الإمام.
وإن كان غير السلفيين يتشدقون بالدعوة إلى "الإيجابية" والحراك المجتمعي من أجل التغيير وغير ذلك من الألفاظ الرنانة، فالسلفيون رأوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه وإصلاح المجتمع على نور الوحي وضوء الشريعة أفضل فعل إيجابي يقومون به كما أمر الله، من أجل حفظ هذا المجتمع وصيانة هذه الأوطان.
3- مراعاة المفاسد والمصالح:
ويرتبط بما سبق من منهجهم -أيضًا-: مراعاة المفاسد والمصالح، فهم يجتهدون في استجلاب المنافع والمصالح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويدفعون المفاسد والمضار عن المسلمين قدر طاقتهم، ويتعبدون لله بتقديم أكبر المصلحتين إن تعارضتا، ودفع أكبر المفسدتين إن أوشك حدوثهما معًا، وذلك في كافة شئونهم من الفعل والترك، والأمر والنهي، والحركة والسكون، والنطق والسكوت، بل لعل هذه الجملة: "مراعاة المصالح والمفاسد" لم توجد أكثر انتشارًا إلا على ألسنة العاملين بمنهاج النبوة؛ السائرين على طريق السلف الصالح.
مع تأكيدهم على أن موازنة المصالح والمفاسد إنما يكون بميزان الشريعة المعصومة فنقدم ونعظم ما قدمه وعظمه الله الحكيم ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ونؤخر ما أخره الله ورسوله كذلك.
4- أدب الخلاف:
والسلفيون أقروا بوقوع الاختلاف بين الناس في التصورات والرؤى، وما يتبع ذلك من أحكام وتوجهات؛ إذ الاختلاف سنة كونية، فأصلوا له أصولاً شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، ونصوا على آداب مأخوذة منهما، وتأسوا في ذلك بسلف الأمة الذين وسعهم ما ينبغي أن يسعنا، والذين أنكروا على أشياء أخرى ينبغي علينا إنكارها هي وأشباهها.
وفرق السلفيون بين خلاف التنوع وخلاف التضاد، وبين الخلاف السائغ الذي لا يصادم كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا قياسًا جليًّا وبين الخلاف غير السائغ الذي يعارض النصوص والإجماع، وذكروا الواجب نحو هذا الخلاف في كل حالة من هذه الأحوال.
فاختلاف التنوع يستثمر في تحقيق التكامل في العلوم والأعمال حتى ترتقي الأمة بأبنائها ويصلح المجتمع المسلم.
واختلاف التضاد السائغ يحتمل ويبقى الود والحب والأخوة في الله.
واختلاف التضاد غير السائغ يرد ويحارب بإحقاق الحق وبيانه وإبطال الباطل وإزهاقه، مع التفريق بين المصر على الكفر أو البدعة أو الضلالة فيُبغض ويُحذر منه، وبين المجتهد المخطئ الذي عامة حياته وأعماله في نصرة دين الله واتباع كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا إن زل في مسألة بخصوصها يرد فيها قوله وتبقى منزلته وتذكر حسناته ويدعى له بالمغفرة.
كذلك دعا السلفيون الناس برفق؛ لتضييق فجوة الخلاف بالالتفاف حول الكتاب والسنة، والاجتماع على كلمة التوحيد، وعرضوا كل هذه القضايا برقي ووضوح لم يوجد مثله عند كثير من "المستنيرين" المزعومين الذين يتهمون السلفية بجمود الفكر وضلال المذهب، وينسبون إليها كل بلية استجلبوها هم علينا، في الوقت الذي يمارسون ضد السلفيين كل ما يستطيعونه مِن: صور الاستهزاء، والحرب، والتضييق ، والملاحقة.
والحاصل: أنه كان لهذا الأدب السامي في الخلاف عامل كبير في تواصل السلفيين مع غيرهم ممن خالفوهم -وإن كنا نطمع بمزيد من التواصل البنَّاء لا سيما مع الإسلاميين-، كذا كان لهذا التواصل كبير الأثر في حفظ الأمن الاجتماعي.
"حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة
"
5- قضايا الإيمان والكفر:
كل ما ذكرنا وغيره إنما هو راجع في الأساس لأصل العقيدة عند السلفيين، والتي اشتركوا فيها -بفضل الله- مع عامة المسلمين الموحدين أتباع الحق في مشارق الأرض ومغاربها، والتي انتظمت حولها كل العقائد السلفية الأخرى على ضوء الشريعة -أيضًا-، ونعني بهذه العقيدة: قضايا الإيمان والكفر.
فالسلفيون يثبتون الإسلام لكل من نطق الشهادتين وبرأ من الشرك، ويعتبرونه أخًا لهم وحسابه على الله -تعالى-، ولا يتوقفون في ذلك ولا يمتحنون غيرهم على الإيمان، ولا يكفرون أحدًا بذنب وإن كان مرتكبًا كبيرة ما دام غير مستحل لها، ويرون صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وصحة الجهاد خلفه إن كان ذا راية غير جاهلية ممن تولى أمور المسلمين ما دام يقودهم بكتاب الله في الجملة، وفسقه -إن كان فاسقًا- فعلى نفسه، ويسألون الله الثبات للبار، ويسألونه الهداية للعاصي، ويترحمون على أموات المسلمين ولو لم يعرفوا شخوصهم ولم يخالطوهم.
والسلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها، ولا يرون تكفير مسلم بلا بينة أوضح من الشمس في وضح النهار، ولا يسارعون فيه، بل لابد لديهم من استيفاء شروط وانتفاء موانع محلها مظانها يفتي بها أهل العلم الأثبات، ويفرِّقون بين كفر العين وكفر النوع؛ فليس كل من وقع في شيء من أفعال الكفر كافرًا، بل لعله جاهل أو متأول؛ فيعذرون الجاهلين بجهلهم الناشئ عن عدم البلاغ، ويجتهدون في تعليمهم، والتحذير من الشرك وأبوابه وذرائعه بالحسنى والكلمة الطيبة.
والأصل في المسلمين -الذين ولدوا على الإسلام أو نطقوا الشهادتين أو أقاموا الصلاة- الإسلام إلا ما طرأ عليهم، والسلفيون يوالون عامة المسلمين ويناصرونهم مهما تباعدت أوطانهم واختلفت لغاتهم؛ يحبونهم لإسلامهم وإن ظلموهم وأخذوا أموالهم، فيكرهون منهم ظلمهم ومعصيتهم وبدعتهم إن وقعوا في شيء من ذلك، ويحبونهم بقدر ما معهم من إيمان وطاعة، ويزوجونهم ويتزوجون منهم، ويأكلون طعامهم ويطعمونهم، ولا يرون لأنفسهم فضلاً على أحد إلا بما سمى الله -تعالى- من التقوى التي في القلوب فلا يطلع عليها إلا هو.
ثانيًا: في الجانب العملي:
السلوك مرآة الفكر، وما يعتقده الناس في دواخلهم يظهر على تصرفاتهم واختياراتهم، فكل ما يشيع بين أفراد جماعة بشرية ما فإنما هو محصلة عقيدتهم وخلاصة آرائهم، لذلك؛ لم يختلف -بفضل الله- الجانب العملي لدى عامة السلفيين -بشتى توجهاتهم- عن المنهج العقدي الذي عرضنا لجانب منه في هذه المقالة، ولم يناقضوا أنفسهم بالادعاء علنًا غير ما يفعلونه ويفتون به ويحثون عليه، وقد كان السلفيون -بفضل الله وحده عليهم وبعصمته لمنهجهم- أحرص الناس على الاجتماع ونبذ التفرق، وأكثرهم تمسكًا بحماية الأوطان والبلاد والعباد، وإيثار المصلحة العامة الحقيقية -على ضوء الشريعة- على كل مصلحة أخرى تتدخل فيها الأهواء، وصحيح أنهم لم يروا للأنظمة المدنية العالمانية ولاية شرعية -نسبة إلى الشرع- إلا أن ذلك لم يمنعهم من قبول الحق منهم إن قالوه أو فعلوه، كذا التعاون معهم عليه من غير مداهنة ولا نفاق.
"أي باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد
"
لم يقف السلفيون –وسائر المسلمين- يومًا في وجه السلطات الأمنية مصطدمين بهم -وإن ضيقت عليهم السلطات نفسها-، ولم يشتبكوا معهم أو يناوشوهم؛ إذ يرونهم محل دعوة كغيرهم من المسلمين، ولم يتحدوهم؛ ليعلنوا حالة من الفوضى المتعمدة، ولم يلقوا عليهم -يومًا- قنابل المولوتوف، ولا أدموهم بالحجارة، ولا واجهوهم بالأسلحة البيضاء والعصي وقضبان الحديد، ولم ير السلفيون في ذلك "حربًا مقدسة" يستنفر لها الناس ويُحشد لها راغبو "الشهادة".
لم يتجمع السلفيون يومًا بالآلاف؛ ليحاصروا مبنى المحافظة، أو يحاولوا اقتحام أسوارها عنوة، ولا تحطيم المباني والممتلكات العامة، والمنشآت الحكومية واحتجاز من فيها كرهائن؛ ليفرضوا رأيهم بالقوة أو ينالوا ميزة بالإرهاب، أو يفرضوا أمرًا واقعًا رغم أنف الجميع.
لم يتعاون السلفيون مع أعداء دينهم ووطنهم في الداخل ولا في الخارج، ولا فتحوا معهم قنوات للاتصال والحوار، ولا نسقوا مع أحد أو جهة ما بالمهجر ولا غيره من أجل الضغط على حكوماتهم أو بلدانهم، ولا لأجل كسب ورقة جديدة في مفاوضات من أجل مصلحة طائفية على حساب البلاد.
لم يروع السلفيون الآمنين من السكان في بيوتهم، ولم يتسببوا في الذعر للمارة في الطريق، ولا للطلبة والطالبات في مدارسهم، ولا تدربوا وسطهم على حرب الشوارع وكر العصابات وتطويق الهيئات واختطاف الرهائن.
ذلك كله -وغيره ذلك كثير- لم يفعله السلفيون، ليس ضعفًا منهم أو غفلة عن هذه الأساليب الرخيصة، ولكن لقوة لديهم يستمدونها من الشرع، وليقظة لديهم تدلهم على عدم مشروعية كل هذه الأعمال التخريبية وخطرها على أوطانهم ودعوتهم وأهليهم -عامة الشعب المسالم- وعلى البلاد ككل.
وكل باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد بين الحكومة والجماعات الإسلامية التي كانت وقتها صدامية –وذلك قبل المراجعات- عن طريق نشر المنهج السلفي وضوابط التغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الشباب الملتزم وتوجيه طاقاتهم وترشيدها نحو البناء لا الهدم، والتواصل لا التصادم .
السلفية هي الإسلام بنقاء:
وبقي أن نذكر أمرًا مهمًا، وهو أن ما ذكرناه من قضايا منهجية وكيف طبقها السلفيون ليست وصفًا لمنهج منفصل عن الإسلام، بل هو الإسلام ذاته، وليس نتاج خبرات أو آراء فكرية بشرية، بل هو المنهج الرباني الذي ورثناه عن الصحابة، والذي اصطلحنا على تسميته بالسلفية، ولا نتعصب للاسم ولا نحتكره، فكل من رأى صحة ذلك المنهج واتبع قواعده الشرعية فهو عندنا "سلفي" المنهج، سليم العقيدة، صائب الرأي ولو لم يتسم بهذا الاسم؛ إذ الولاء على الإسلام ذاته، وليس تعصبًا لاسم.
إن أردت لذلك بيانًا؛ فلتعلم أن عمدتهم في قضية الإيمان -مثلاً- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) (رواه مسلم)، وفي إيكال الناس إلى ربهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!) (متفق عليه)، وفي عدم تكفيرهم بذنب –إلا المستحل- قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48) وأما في الشركيات فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع –كالصغر والجنون والإكراه والخطأ والنسيان والجهل والتأويل- وليس منها الاستحلال، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي مخاطبة الناس بالحسنى قوله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).
وفي النهي عن إشاعة الفتن والترويج لها والحث عليها ما قدمنا به المقال: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وفي أخوة عامة المسلمين قوله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، وغير ذلك مما تجده مبثوثًا منتشرًا مبذولاً في كتب السلفيين ومجالسهم ومصادرهم ومواردهم، منصوصًا عليه في الكتاب، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في "السنة"، ولكن قلَّ المنصف!!
وكذلك حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة التي زرعها فينا الاحتلال بحدود سياسية مصطنعة حتى أصبحت هذه الحدود المستحدثة كالخلايا السرطانية في جسد الأمة الجريح تقطع أوصالها وتبتر أرجاءها.
فأرضنا هي أرض الإسلام كله، وتبلغ حيث بلغ الأذان، وارتفعت كلمة القرآن، حبنا لأوطاننا ليس تشدقًا وحبًّا للظهور وتكسبًا وتجارة باسم الوطن، بل محبةَ أن يظهر الخير فيها وعليها، وليس تشبهًا بعصبية أهل الجاهلية لأرضهم، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في دعوى الجاهلية: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، وحبنا لأوطاننا فطرة جعلها الله في قلب كل من شب فوق أرض ما واستظل بسمائها.
فضلاً عن كون مصرنا الغالية -الآن- هي قلب الإسلام النابض، وكنانته التي يرمي بأسهمها عدوه، وبيضته التي يتقي بها شرورهم.
وهكذا وبالرغم من كل ما سبق بيانه وثبت منهجيًا، وثبت كذلك واقعيًّا؛ كانت -دائمًا- السلفية -والسلفيون بالتبع- في مرمى القذف بالباطل، وفي دائرة الاتهام، وقد لاقى السلفيون ذلك بلا ذنب جنوه ولا مخالفة ارتكبوها، تتناوشهم الأيدي مرة وهم ثابتون، ويؤخذون بجريرة غيرهم وهم صابرون محتسبون، ويرميهم العالمانيون، والكُتَّاب المأجورون، والمتآمرون، والإعلاميون -السطحيون منهم، وغير المنصفين، وحتى الدراميون إذا أفاقوا من سكرهم وشهواتهم- يرمونهم بالبعد عن صحيح الدين ووسطيته -وليتنا نتعلم منهم أين وسطيته تحديدًا-، بل يستعْدون عليهم غيرهم، ويشوهون لدى الناس دعوتهم، ويغرقونهم بالجرح والاستهزاء واللمز، ويتهمونهم بسرقة المجتمع، والتخلف والجمود الفكري، والتسويق لثقافة البداوة والانعزال والتطرف والإرهاب، والأعجب من ذلك بإثارة الفتن والخطر على الأوطان! وفي الوقت نفسه يوالون أهل "الحرب المقدسة" ويسارعون فيهم!
والآن أخبرني -أيها القارئ-: هل يحتاج الأمر إلى عناء كبير للتمييز بين من يحرص على مصلحة البلاد وأمنها، وبين من يريد إشعال نيران الفتن فيها؟!
وهل من الصعوبة بمكان معرفة من يوافق قوله عمله ممن يخرج علينا -دومًا- بشعارات جوفاء عن المحبة والتسامح؟!
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من نحن و ماذا نريد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمع إشراقة عيد الفطر المبارك نتقدم إلى كل مسلم ومسلمة بأعز التهاني بهذا العيد الذي أتانا وقد أزاح الله عن بلادنا نظام الظلم والطغيان البائد، وأراح العبادَ من شر طغمة أفسدت في الأرض وصدت عن سبيل الله وابتغت السبيل عوجًا؛ فأزال مالكُ الملك ملكَهم ورئاستَهم، سائلين الله تعالى أن يهيئ لأمتنا أمرَ رشد؛ يُعَزُّ فيه أهلُ طاعته ويُهدَى فيه أهلُ معصيته، ويُؤمَر فيه بالمعروف ويُنهَى فيه عن المنكر، وأن يُوَلِّيَ أمورَنا خيارَنا مِن الذين قال فيهم: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، ولا يُوَلِّيَ أمورَنا شرارَنا، وأن يجعل ولايتَنا فيمن خافه واتقاه وآمن به واتبع شريعتَه وسنةَ نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومن كل المسلمين الصلاةَ والصيامَ والزكاةَ وسائرَ الأعمال، وأن يعفو عنا ويغفرَ لنا ويرحمَنا وينصرَنا على مَن بغى علينا.
وننتهز هذه الفرصة لنقدم للجميع جوابًا على السؤال الذي يقفز إلى ذهن الكثيرين ممن سمع عنا ولم يسمع منا:
مَن نحن؟ وماذا نريد؟
نحن جماعة من أبناء هذا الوطن -مصر الحبيبة- رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا، ندعو إلى الله سبحانه؛ إلى عبادته والإيمانِ به؛ تحقيقًا لقوله -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) متبعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء بالإسلام كدين شامل كامل ينظم حياةَ الفرد والأُمَّة والدولة؛ في الظاهر والباطن، في العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق والسلوك (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام)، نريد العودة إلى الإسلام كما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبيضَ نقيًّا بلا شوائبَ ولا بدع كما فهمه وطبقه السلف الصالح من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن تبعهم بإحسان؛ الذين نحبهم ونتولاهم ونبغض مَن يبغضهم وبغير الخير يَذكُرهم. ونريد استئناف حياة إسلامية لبلادنا ولكل المسلمين في الأرض لتحقيق الإسلام والإيمان والإحسان.
ففي العقيدة والإيمان:
ندعو إلى توحيد الله -سبحانه- بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا شريك له في الهيئة ولا كفءَ له في أسمائه وصفاته وأفعاله:
فهو وحده المتفرد بالخلق والرزق والتدبير (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17).
وهو وحده المتفرد بالملك (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)، وقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر:13).
وهو وحده الذي له الأمر والحكم والتشريع (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54)، وقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (يوسف:40)، وقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى:21)؛ فلا نرضى أبدًا بحكم يخالف شرعَه الذي أوحاه إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتمِ النبيين الذي لا يقبل الله مِن أحد صرفًا ولا عدلاً إلا بالإيمان به واتباعه واتباع النور الذي أنزل معه -القرآن العظيم-.
والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ونصرة الدين ومتابعة أهله وعدم طاعة الكفار والمنافقين من أصول الإيمان.
وهو سبحانه وحدَه الذي يستحق العبادة بكل أنواعها؛ فلا نركع إلا لله ولا نسجد إلا له ولا ندعو غيرَه ولا نذبح لغيره.
ونحارب البدع والخرافات التي تدعو إلى الغلو في الصالحين وصرف العبادة لهم ولقبورهم.
وهو سبحانه له الأسماء الحسنى؛ الرحمن على العرش استوى، الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ندعوه بأسمائه ونحبه مِن كل قلوبنا ونخافه ونرجوه ونتوكل عليه ونتجنب البدع.
ونؤمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر على ما جاء في الكتاب والسنة.
وفى العبادة والعمل:
نتبع سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونحارب البدع كلَّها، ونسعى إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في الأمة كلِّها، وكذا صوم رمضان والحج، وندعو إلى تجنب الحرام في المعاملات والأعمال، فلابد أن تُضبَط الدنيا بالدين؛ فنرفض الربا -ومنه فوائد البنوك الربوية- والرشوةَ التي دمرت المجتمع والميسرَ -القمار والغرر- وثمنَ الخمر والخنزير والميتة والأصنام، وكلَّ بيع أو إجارة ثبت النهي عنها في الكتاب والسنة أو أعانت على معصية الله.
وفى الأخلاق والسلوك:
نرى أن تَقَدُّمَ الأمة ورفعتَها في عودتها للتمسك بالأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام -وأصلها مراقبة الله والإخلاص له-؛ فنأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والعاملين وغض البصر وحفظ الفرج وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعقود وتعظيم حرمات المسلمين والمعاهَدين والمستأمَنين مِن غيرهم، وننهى عن سفك الدماء وغصب الأعراض، والأموال ونسعى إلى حل المنازعات بين الناس بشرع الله، ونحارب الخمر والمخدرات والزنا والتجارة والعمل في كل ذلك وما يعين عليه.
وفى السياسة وأنظمة حياة المجتمع:
نسعى إلى إقامة دين الله في الأرض وسياسة الدنيا به وإيجاد فروض الكفاية كلِّها:
- مِن نظام تعليم:
 يرتقي بأبناء الأمة ويُخَرِّج لنا أجيالاً تفهم دينها وتعمل به وتُكَوِّن كفاءات في جميع مجالات الحياة -مِن طب وهندسة وفيزياء وزراعة وصناعة وكلِّ الأنشطة الإنسانية- تقود الأُمَّة إلى النهوض من رقدتها وتضعها أمام كل الأمم.
- ومِن نظام إعلامي:
 واعٍ يقوم على الصدق والأمانة وتوضيح الحقيقة ومحاربةِ المبادئ المخالفة للشرع والشهوات المغوية والشبهات المضلة.
- ومِن نظام قضائي:
 عادل يقوم على القسط الذي شرعه الله، وجزءٌ منه نظام العقوبات الإسلامي؛ مِن حدود وردت في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بضوابطها الشرعية وتعزيرات لردع المفسدين، وهذه كلها لا تخيف أحدًا مِن أهل الخير والصلاح بل بها تقوم السماوات والأرض؛ لأنها العدل وليس ما اخترعه البشر من عقوبات أو قضاء بخلاف الشرع ما جرَّ على الناس إلا مزيدَ الفساد للمجتمع ونشرَ الظلم والمنكر فيه.
- ومِن نظام اقتصادي:
 يهدف إلى تحقيق التكافل بين الطبقات الاجتماعية بلا غنى مطغٍ ولا تسليطٍ لرأس المال ولا فقرٍ مُنسٍ يقهر الطبقات الفقيرة الكادحة، بل يجد كلُّ واحد كفايتَه ويتقاسم الناس فيه الخير والرخاء والثروات بنظام الزكاة، ويتجنب النظام الربوي وأنظمةَ الميسر والقمار المتفرعةَ عنه، كما يحافظ على الملكية الخاصة ويمنع مصادرة الأموال بغير حق طالما اكتسبها صاحبُها بالحلال مهما بلغت طالما أدى ما عليه، كلُّ هذا مع الانفتاح على العالم -وأَوَّلاً العالم العربي والإسلامي- لتحقيق الخير للأمم والشعوب في ظل الشرع.
- ومن السياسة الخارجية وفى مجال الحرب والسلم:
فلابد من تقوية الجيش الذي يدافع عن الدين والبلاد والعباد، ويحافظ على الكرامة، كما نفي بالعهود والمواثيق ولا نغدر ولا نخون.
 -ومِن النظام الاجتماعي:
ندعم المحافظة على الأسرة، ونؤكد على حق المرأة والضعيف كما ورد في الشرع لا على حسب أهواء الغرب ومنظماته الهادمة لمبادئ الشريعة، كما نسعى إلى وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير كما أمر الله، ونؤكد حقَّ اليتيم والأرملة والمسكين.
ونعرف لغير المسلمين من أهل الكتاب حقَّهم؛ أن لا يُكرِهَهم أحدٌ في دينهم (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (الأعراف:54)، وهم جزء من المجتمع له حقوقه وعليه واجباته كما شرع الله لهم في أحوالهم الشخصية مِن زواج وطلاق ونحوه أن يتحاكموا إلى شرائعهم طالما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا واحتكموا إلينا حكمنا بينهم بشرع الله، كما لا يُمنعون من ممارسة شعائرهم في بيعهم وكنائسهم ولا مِن أكل ما اعتقدوا حِلَّه كخنزير أو خمر على أن لا تكون في الأسواق والأماكن العامة، ونأمر بالعدل معهم والبر والإحسان لمن لا يحارب المسلمين في الدين، ونرى جواز البيع والشراء والإجارة والشركات والمضاربات وسائر الأنشطة التي أحلها الله، ولهم دورهم في بناء المجتمع والدولة، وهم مسئولون عن ذلك مع المسلمين وإن لم يتولوا الولايات العامة التي تهدف إلى إقامة الدين؛ فلا يُتصوَّر أن يتولاها مَن لا يؤمن بهذا الدين، ونحفظ حرمةَ دمائهم وأعراضهم وأموالهم امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن قتل معاهَدًا لم يَرَح رائحةَ الجنة)، وندافع عنهم كما ندافع عن المسلمين في ذلك كله، وقد قمنا بذلك بحمد الله أثناء الثورة -باركها الله-.
فهذه هي السياسة الشرعية التي نريد أن توضِّح للناس نموذجًا يختلف عن كل النماذج التي رأوها أو سمعوا بها؛ لأن مرجعيتها كانت على خلاف الشرعية، ومرجعيتنا في المشاركة السياسية الشريعةُ الإسلامية التي نريد المحافظة على هُوية الأمة بالتمسك بها وتفعيلها؛ حتى تتحول كلُّ التشريعات إلى ما يوافق الوحيَ المنزَّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فهذه خطوط عريضة لحقيقة دعوتنا وأهدافنا، ووسيلتُنا في تحقيق ذلك ما أمر الله من التعاون على البر والتقوى، وجماعتُنا ترى لزومَ ذلك والاجتماعَ عليه في كل المجالات بما في ذلك مجال المشاركة السياسية من خلال الأحزاب التي تقوم على مرجعية الشريعة وتتعاون معًا لتحقيق الهدف المنشود.
أعاد الله الأعيادَ على أمة الإسلام كلِّها بالنصر والتمكين والعز والكرامة، ورَفَعَ عنها الظلمَ والعدوان.
اللهم احفظ بلادنا آمنة مطمئنة رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين.

الجمعة، 31 أغسطس 2012

أهمية العقيدة ومصدر تلقيها عند السلف

أهمية العقيدة ومصدر تلقيها عند السلف

للشيخ عبد الرحمن صالح المحمود
من المعلوم أن العقيدة هي المحرك الأول للصراع بين الأمم والحضارات، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها، وتتميز عقيدة الإسلام عن تلك العقائد بكونها هي الحق الذي يتواءم مع الفطر السليمة، والعقول المستقيمة؛ لأنها ربانية المصدر، سهلة المأخذ، لا يشوبها غلو ولا جفاء، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب، وفي الآخرة من العذاب. وهذه العقيدة الصافية الصحيحة هي ما كان عليه الصحابة الأخيار، وسلف الأمة الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: أيها الإخوة في الله! حديثنا في هذه الليلة عن أهمية العقيدة، وعن مصدر تلقيها عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأنتم تعلمون جميعاً أن العقيدة لها أثرها الكبير في حياة الإنسان وفي حياة الأمم، ولكن ما هي هذه العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، ونتحدث عن مصادر تلقيها وعن أهميتها؟ لقد التبست الأمور في هذه العصور المتأخرة، حتى صار كلٌ يدعي أنه على عقيدة صحيحة، وصار الناس كما قال الشاعر: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل يدعي أنه على عقيدة، وأن عقيدته سليمة، وأن مصادرها صحيحة، ومن هنا -أيها الأخوة- فلا بد أن نبين بادئ ذي بدء ما هي العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، إنها عقيدة تتميز وتقوم على عدد من الأسس لابد من فهمها أولاً. ......

أولها: أنها عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وليست عقيدة من خالفهم من أهل البدع من بين مشرق ومغرب، فهي عقيدة تمتد جذورها مع تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينتهي تاريخ الأنبياء بمبعث الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أتى بالعقيدة والشريعة كاملة، وليبقى أتباعه إلى يوم القيامة على ذلك المنهاج القويم.

ثانياً: أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله الواحد القهار، تقوم على أساس توحيد العبادة، فأساسها: هو لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله ليست كلمة يقولها الإنسان بلسانه وفقط، وإنما هي كلمة لما وزنت بالسماوات والأرض ثقلت عليها كما ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي عقيدة تمحض العبادة لله الواحد القهار، وهي عقيدة ترفض العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، وترفض أن يُصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، ومن هنا قامت هذه العقيدة على أسس ثلاثة: على الخوف من الله، والرجاء في الله، والحب في الله، وإذا اجتمعت هذه الأمور في قلب العبد المؤمن صار لربه عابداً مخلصاً، أما إذا صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى اضطربت أحواله وانتكس، وهذه حقيقة لا شك فيها أيها الإخوة المؤمنون!

ثالثاً: أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة، وهي قائمة على توحيد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن محمداً رسول الله، ومقتضاها أن هذا النبي الكريم هو رسول الله حقاً، ومن ثم فإن ما جاء به من القرآن أو من الحديث، أو من سنته العملية أو من سيرته الصحيحة: فهو شرع يجب أن يقتدي به المسلمون، ومن ثم كانت شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أموراً كثيرة عظيمة لو تحققت في حياتنا -نحن المسلمين- لغرست في نفوسنا العقيدة السلمية؛ ولتحولت حياتنا إلى حياة أخرى غير ما نشاهده الآن، حيث نشاهد -نحن المسلمين- الأحداث من حولنا فيها الذل والتبعية، نعيش حياة الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، حتى أصبحنا كما أخبر عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وفعلاً عددهم أكثر من ألف مليون مسلم، ولكنهم أمام أعدائهم غثاء كغثاء السيل!


رابعاً: أنها عقيدة لا يقولها الإنسان بلسانه فقط، وإنما هي عقيدة تنتقل إلى واقع عملي في حياته، ومن ثم فهي عقيدة تنبثق منها، شريعة شاملة ونظام حياة. ومن هنا كان هذا الانبثاق من هذه العقيدة عقيدة، لا كما يقول البعض: إن الشريعة تنقسم إلى عقيدة وإلى أحكام وفروع، بل نقول: إن كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة تنبثق منها شريعة كاملة تنظم شئون الحياة من أولها إلى آخرها، فهي ليست عقيدة مختصة بالقلوب فقط، وليست عقيدة مستقرة بين الصدور فقط، وإنما هي عقيدة تتحول وتنطلق إلى عمل وإلى خلق وإلى عبادة وإلى ولاء وبراء وإلى جهاد في سبيل الله وإلى أعمال يسير فيها السائر والمهاجر إلى ربه سبحانه وتعالى، يسير فيها حياته كلها قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام:162-163]، إي والله! فهي حياة تتحول عند المسلم إلى حياة طاعة وعبادة لله الواحد القهار. هذه العقيدة ليست كلاماً يقال ويدندن به فقط، وإنما هي أعمال تتحدث عن نفسها لتدل في النهاية على أن هذا الرجل صاحب عقيدة، وعلى أن هذا المجتمع مؤسس على عقيدة، وعلى أن هذه الأمة ربيت على عقيدة، لكن حينما تختلط الأوراق، ويشرئب النفاق، يجلجل البعض بصوته مدعياً، ولكن دعواه -حينما ينظر فيها من خلال الأعمال- يتبين أنها عكس ما يقول.



......

الأمر الثالث: أن هذه العقيدة تغرس في النفس التوكل على الله والاعتصام به، وهذا يريح الإنسان كثيراً في حياته، فكم من إنسان خاف من غير الله فأصبح شريداً طريداً، خاف من غير الله فتحولت حياته إلى جحيم، يخاف مرة من الجن، يخاف مرة من العين، يخاف مرة من قطع الأرزاق، يخاف مرة مما لا يملك العباد منه شيئاً!! أما إذا توكل على الله واعتصم بالله سبحانه وتعالى فإنه يعيش سعيداً؛ لأنه يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعليك أن توقن أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، كما أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك أبداً، تلك والله عقيدة إذا غرست في النفوس تحول العبد إلى عبد لله حقاً.


الأمر الرابع: أن هذه العقيدة تورث الشجاعة في الحق والثبات عليه، وإن ضعف مواقفنا وضعف إيماننا وكثيراً من هزائمنا -النفسية وغير النفسية- إنما سببه أننا لم نؤمن بالله حق الإيمان، ولم تغرس في نفوسنا هذه العقيدة ذلك الغرس الصحيح، فلما أصبحت حياتنا على هذه الحال تحولنا إلى ضعفاء، تحولنا إلى جبناء حتى أمام أخس أعدائنا! وسنة الله سبحانه وتعالى أنه إذا اعتصم الإنسان بالله سبحانه وتعالى قواه الله سبحانه وتعالى، أما إذا اعتصم بغيره وكله الله سبحانه وتعالى إلى ذلك الغير؛ فتحول إلى عبد ذليل لذلك الغير، وهذا أمر مشاهد.

هذه العقيدة ترجع أهميتها إلى عدة أمور: فهي عقيدة لها أثر عظيم جداً على حياة الفرد، وأعظم آثارها على حياة الفرد عدة أمور: أحدها: أنها تجعل النفس والقلب في طمأنينة وانشراح، فهي عقيدة إذا تحولت إلى عمل وتحولت إلى أعمال قلوب: انشرح الصدر واطمأن؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً)، وطعم الإيمان طعم خاص يحس به أولئك العابدون لله سبحانه وتعالى حتى قال قائلهم وهو يعيش في الدنيا عابداً لله: والله إن كان أهل الجنة يعيشون كما نعيش الآن في راحة نفس وطعم إيمان إنهم لفي عيش طيب. إن في الآخرة جنة لا يدخلها إلا من دخل جنة الدنيا، وجنة الدنيا إنما تكون بالعبودية لله وحده لا شريك له، عندما تقوم أيها العبد تصلي ركعتين لله الواحد القهار، تصوم يوماً لله الواحد القهار، تنفق نفقة لله الواحد القهار، تؤدي حجك، تؤدي فرضك، تقوم بواجباتك كلها وأنت تحقق العبودية لله الواحد القهار؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه -في كلمة له يجب أن نفهمها وأن نفقهها-: والله إني لا أحب الدنيا -أي: إنني لا أحب البقاء في الدنيا- لولا ثلاثة أمور... ما هي هذه الثلاثة التي من أجلها أحب عمر بن الخطاب الحياة؟ وكلمته رضي الله عنه تكتب بماء الذهب، قال: لولا ثلاث: إحداها: أن أسجد لله رب العالمين، وأؤدي الصلاة، فهو يفرح بالحياة؛ لأنه يصلي لله رب العالمين في كل يوم خمس مرات ما عدا النوافل. والثانية قال: ولولا أني أحمل في سبيل الله، أي: الجهاد في سبيل الله، فهو يحب الحياة؛ لأنه ينتقل من جهاد إلى جهاد. والثالثة: مجالسة الصالحين، يقول: وأني أجالس أقواماً يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر. رحمك الله يا أمير المؤمنين! يا عمر بن الخطاب ! رحمك الله فلقد أحسست بقيمة العبودية لله الواحد القهار، وقد أصبحت موازيننا وقيمنا مختلفة تماماً عن تلك القيم التي كان عليها أولئك الصحب الكرام.


الأمر الثاني من أثر العقيدة على الفرد: أنها تخلص العبد من العبودية لغير الله إلى العبودية لله سبحانه وتعالى، ووالله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تجعل الإنسان عبداً لله ليس عبداً للمادة، ولا عبداً لملك من الملوك، ولا عبداً للشرف والشهرة، وإنما هو عبد لله الواحد القهار، والله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تحرر الإنسان التحرير الحقيقي؛ لكفى بها أهمية، ولكفى بذلك أن يعتصم الإنسان بها، وأن يحافظ عليها، من تعلق بغير الله تبارك وتعالى ذل لذلك الغير، لكن من تعلق بالله صار عزيزاً.



......

الأمر الثالث من آثارها على المجتمع: تربية المجتمع على الأخلاق الكريمة، نعم والله! إن العقيدة تربي الإنسان الصالح ليكون صالحاً في كل مكان. إن التربية الغربية -الإنجليزية أو الأمريكية أو الفرنسية- تربي المواطن حينما يكون في بلده، على أن يحافظ على القوانين والنظم، لكن حينما يخرج يتحول إلى ذئب مفترس يهين الناس ويقتلهم كما هو مشاهد، لكن العقيدة تبني الإنسان الصالح إن كان بين أقاربه أو غيرهم، إن كان في بلده فهو إنسان صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وإن كان مع أعدائه أو في غير بلده فهو صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وشتان شتان بين هذا وذاك.


الأمر الرابع: جمع كلمة الأمة، إن بعض الناس يقول: لا تركز على العقيدة؛ فإنها تفرق الأمة! ونحن نقول: والله إن العقيدة هي التي تجمع الأمة، تعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية، ما هي أسباب تفرقها؟ إن لها أسباباً كثيرة جداً، وأعظم الأسباب رايات القومية، المصالح المشتركة، العداء.. الأطماع.. إلى آخره، لكن العقيدة إذا وجدت تجمع الأمة وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، العقيدة تجمع لكن الاختلاف والتفرق له أسباب أخرى، ولا يجوز لقائل أن يقول: إن العقيدة تفرق، نقول: إن الذي يجمع الأمة وقد اختلفت بلدانها واختلفت لهجاتها وتعددت أعراقها وقبائلها؛ هي العقيدة الصحيحة التي جمعت بين صهيب و سلمان، والتي جمعت بينهم وبين أبي بكر و عمر بن الخطاب، العقيدة هي التي جمعت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فصارت أمة واحدة، وهي التي تجمع الناس في كل زمان.
الأمر الخامس: من آثار هذه العقيدة أيضاً -وهو أثر عظيم جداً- ظهور بركات السماء والأرض، إن البركات تنزل حينما نعتصم بالله، ونكون على هذه العقيدة الصحيحة.


الأمر السادس: هناك أثر مهم جداً لهذه العقيدة، وهذا الأثر أخرته لأهميته ألا وهو: أنه ينجي الإنسان يوم القيامة من عذاب الله، ويجعله من أهل الجنة، والله لو لم يكن للعقيدة إلا هذا الأثر لكفى به أن يلتزم الإنسان بهذه العقيدة ويعتصم بها ولو ناله ما ناله، إن الدنيا قصيرة، والرحلة قريبة، والموت لا يفرق بين صغير أو كبير ولكن الشأن ما بعد الموت. أيها الإخوة في الله! إن هذه العقيدة حينما تكون عقيدة سليمة تنجي صاحبها يوم القيامة، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]، ما هو القلب السليم؟ إنه القلب المخلص لله، إنه القلب السليم من آثار الشبهات والشهوات، إنه القلب السليم الذي جاء ربه به أبونا إبراهيم أبو الحنيفية عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:84]، ما هو القلب السليم؟ إنه قلب المؤمن، إنه قلب صاحب العقيدة الحنيفية الخالصة القائمة على عقيدة التوحيد والكفر بالطاغوت، القائمة على عقيدة الولاء والبراء، القائمة على عقيدة امتثال أمر الله وتطبيق شرعه والإيمان بأن ذلك عقيدة، إنها عقيدة متكاملة، فإذا أخلص العبد فيها لله رب العالمين جاء يوم القيامة آمناً ليشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمأ بعدها أبداً، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم من هؤلاء. أثر هذه العقيدة يدل على أهميتها العظيمة، ويدل على أنه يجب أن ندعو إليها، ويجب أن نركز على هذه العقيدة، ويجب أن نربي النفوس وأن نغرس في القلوب هذه العقيدة، نربي فيها الأسرة، نربي فيها الأمة، نربي فيها المجتمع، ندعو إليها في كل مكان.


ترجع أهمية هذه العقيدة إلى أن لها أثراً عظيماً في حياة الأمة وحياة المجتمع، ومن تلك الآثار: أولها: استقلال الأمة، فإنه لا يتم ذلك إلا باستقلالها في توحيدها وعقيدتها واعتزازها بدينها، وانظروا كيف كان حال العرب في الجاهلية قبل مبعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كانوا متفرقين، كانوا يدينون بالولاء مرة للروم ومرة للفرس، فكيف استطاع العرب أن يستقلوا؟ وكيف استطاع العرب أن يقودوا العالم؟ إن ذلك لم يتم إلا حين استجابوا للمبعوث محمد صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به وصدقوه وناصروه، وآمنوا بالله الواحد القهار رباً، ومن ثم تحولت حياتهم إلى حياة أخرى، ولم يمض عليهم وقت قصير إلا وقد أصبحوا قادة الأمم وسادتها، وهذه تجربة تاريخية مشاهدة أمام أعيننا. إن استقلال الأمم في جميع أمورها -الفكري، والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره- لا يكون إلا حينما تغرس العقيدة في هذه الأمة، فإذا غرست هذه العقيدة السليمة الصحيحة في هذه الأمة فلا بد أن يظهر فيها الاستقلال، ولا تكتفي بذلك، بل تعود قائدة رائدة للأمم جميعاً.


الأمر الثاني: وهو الأثر الكبير في حياة الأمة حينما تعتصم بعقيدتها، إنه الأمن، وما أدراكم ما الأمن؟ قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، هكذا فسره الرسول صلى الله عليه وسلم، يتحقق الأمن حينما تخلص الأمة عبوديتها لله وحده لا شريك له، وحين تتخلص من عبودية الشرق أو الغرب، وحين تتخلص من عبودية الكرة والتمثيلية، وحين تتخلص من عبودية المادة، وحين تتخلص من عبودية الجن والسحرة والصوفية والقبورية، وحين تتخلص من عبودية العلمنة التي أصبحت تعيش بيننا ليلاً ونهاراً، إذا تخلصت من العبودية لتلك الآراء والأفكار، أتاها الأمن بإذن الواحد القهار، ونقف عند تجربة تتعلق بالأمن. أيها الإخوة المؤمنون! كانت قريش في الجاهلية قبيلة من القبائل تعيش مثل غيرها، ولكن جرى لها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين عاماً قضية وقصة مشهورة، ألا وهي أن أحد الكفار أراد أن يهدم الكعبة التي بناها إبراهيم، وكان يدين بدين النصرانية، وهو أبرهة، فجاء إلى مكة ليهدم الكعبة، وكانت قريش تعبد الأصنام، ولما جاء أبرهة بفيلته لم تستطع قريش مقاومته؛ لأنها لم تكن صاحبة عقيدة، بل فروا إلى الجبال وهم العرب الشجعان، انهزامية كما ينهزم العرب اليوم أمام أحفاد القردة والخنازير؛ لأنهم يرفعون راية العروبة ولا يرفعون راية العقيدة، وفرت قريش إلى الجبال، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يريد لهذه الجزيرة أمراً آخر، فجاء أبرهة، وقبيل دخوله بجيشه مكة أرسل الله عليه طيراً أبابيل من السماء تحمل حجارة من سجيل فقضت عليه، فكيف انتهت النتيجة أيها الإخوة الأحباب؟! انتهت النتيجة بأن أبرهة هزم شر هزيمة، هزيمة نكراء، هزيمة تحدثت عنها الأمم في مشارق الأرض ومغاربها في ذلك الوقت، لكن على يد من؟ ليست هزيمته على يد قريش، وإنما جاء النصر من الله سبحانه وتعالى، ووقع أن قريشاً كسبت القضية لأمر أراده الله سبحانه وتعالى، فتحولت مكة وما حولها إلى أمن، حتى أصبح الإنسان في أي مكان سواء كان لصاً أو رئيس قبيلة تريد أن تغير على غيرها، سواء كان ذا قوة أو ليس ذا قوة؛ لا يفكر أبداً بأن يغزو قريشاً ولا أن يتعرض لها. أيها الإخوة في الله! قفوا عند هذه القضية فإنها مهمة، أمن الله قريشاً، بل أمن قوافلهم التي تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب في رحلة الشتاء والصيف، ولا يفكر أحد أن يعتدي عليها، لماذا؟ لأن قريشاً نصرت ذلك النصر العجيب، حين أرسل الله على أعدائها طيراً أبابيل، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يجهر بالدعوة؛ قال كلمته المشهورة وقد صعد على الصفا: (يا معشر قريش! لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟! قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). قد يسأل سائل ويقول: إن هذا قياس مع الفارق، الرسول يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم هل تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ فاحتج عليهم بهذا أنه رسول من عند الله، إذاً: هو قياس مع الفارق، فمن الصعب أن يقول قائل: يا محمد! لو أخبرتنا أن هناك جيشاً لصدقناك، لكن أن تكون رسول الله فلا! لكن القضية هي متعلقة بقريش، فالأمن تحول عند قريش إلى أمن شامل حتى أصبح من المستحيلات، بل من عاشر عاشر المستحيلات أن يفكر في غزو مكة، فكأن الرسول يقول لهم: يا قريش! أنتم تعلمون أن هذا من المستحيل أن يأتي أحد ليغير عليكم، لكن ناشدتكم الله لو قلت: إن هناك جيشاً -مع أنه مستحيل- أتصدقوني؟ قالوا: لو أخبرنا واحد غيرك لكذبناه، لكن لأنك محمدٌ الأمين فلا نكذبك، فقال لهم: إذا صدقتموني في هذا الأمر البعيد المستحيل لو أخبرتكم به؛ فصدقوني في أمر آخر وهو أني رسول رب العالمين، جئتكم بين يدي عذاب شديد، وكانت الحجة قاطعة، ولكن هل استجابت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنعم الله عليها بالأمن؟ لا والله. إن من المؤسف حقاً أن قريشاً لم تستجب، ولكنها احتجت بحجة غريبة جداً فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ما حكاه الله عنهم: َقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57]، قالوا: يا محمد! إن نؤمن بك تهجم علينا القبائل وتقاتلنا، انتبهوا إلى الحجة! إن نتبعك يا محمد تهجم علينا القبائل عن يميننا وعن شمائلنا ومن أمامنا ومن خلفنا، وتقتلنا وتزيل هذا الأمن! فقال الله تعالى مجيباً لهم: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا [القصص:57]، كيف تحتجون بهذه الحجة؟ من الذي مكنكم حتى أصبحتم آمنين؟ إنه الله الذي أنزل على قلب محمد هذا القرآن، فلماذا تعكسون القضية؟ تعالوا -أيها الإخوة- إلى واقعنا اليوم، واقعنا اليوم هو نفس واقع قريش، إذا دعا الداعية وقال: أيها الناس! التزموا العقيدة، طبقوا الشريعة، قالوا: الغرب يأبى علينا، ولا يريدوننا أن نطبق العقيدة، إنهم سيهجمون علينا وسيقاتلوننا وسيزيلون ملكنا وسيصنعون وسيصنعون، سبحان الله هذه هي حجة قريش: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، وهؤلاء يقولون: إن نطبق الشريعة يغضب علينا الغرب، ويهجم علينا، ويقطع عنا المصالح! قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، ونحن نقول: أولم ينعم الله عليكم بالأمن؟ إن الحفاظ على الأمن لا يكون ولن يكون إلا بالحفاظ على هذه العقيدة، وعلى ما انبثق منها من شريعة، وهذه حقيقة لا شك فيها.




هذه العقيدة التي ندعو إليها والتي بدأها رسولنا صلى الله عليه وسلم، والتي جددها المجددون في كل قرن، وقد جددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذه البلاد؛ هي عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، هي الخط المستقيم حينما خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، ثم خط من حوله خطوطاً أخرى، فقال صلى الله عليه وسلم (هذا سبيل الله، وهذه سبل الشيطان)، والعقيدة التي يجب أن نعتصم بها وأن ندعو إليها: هي عقيدة السلف، ومن ثم فإننا نحب أن نبين قضية كبرى تبين منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذه العقيدة، ألا وهي مصدرهم في تلقي هذه العقيدة، ما هي مصادر تلقي هذه العقيدة؟ ومن أي مصدر نأخذها؟ وكيف نأخذها؟ إن مصادر تلقي هذه العقيدة تقوم على الأسس التالية: ......
ثالثاً: المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح: الإجماع، أي: ما أجمع عليه المسلمون وما أجمع عليه السلف الصالح خاصة، وقد يقول قائل: إن الإجماع إنما هو في باب الأحكام الشرعية، ونحن نقول: لا، إن الإجماع يكون أيضاً في باب العقائد، كم من قضية من القضايا محكومة عند سلفنا الصالح لا تحتاج إلى نقاش، بل تتحول عندنا إلى ثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان، لكنّ علمانيي وحداثيي زماننا عندهم شيء اسمه الثوابت والمتغيرات، يقولون: إن هناك كثيراً من المتغيرات تتغير بتغير الزمان والمكان، ونحن نقول: إن الذي يتغير هو أشكال الحياة ومادياتها، لكن أصولها لا تتغير، العبادة لله وحده لا شريك له، هي عبادة لله وأنت في كهف، وأنت تحت ظل شجرة، وأنت في خيمة، وأنت في الطائرة محلق في الفضاء، العبودية هي العبودية لله. طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعته عليه الصلاة والسلام، أحكام الله سبحانه وتعالى ثابتة، حكم الله في المسح على الخفين لا يتغير بتغير الزمان والمكان، التيمم إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله لا يتغير، حكم الله ثابت، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته كل ذلك لا يتغير. إذاً: في عقيدتنا ثوابت وأصول هي محل إجماع لا تتغير بتغير الزمان والمكان، أما ضعفاء الإيمان علمانيو عصرنا وحداثيوهم ومبتدعوهم فإنهم يريدون منا أن نغير حتى في تلك الثوابت التي لا يمكن أن تتغير، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي هو بشرى لكل مؤمن: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى). أيها الإخوة في الله! ومن مصادر التلقي هذه يتميز منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن هنا فإننا إذا أردنا أن نغرس العقيدة في النفوس، وأن نعود إلى هذه العقيدة؛ فلا بد أن نعود إليها بأصولها ومصادرها كلها، لابد أن نعود إليها بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وحينما نحقق ذلك نعمر الكون، وحينما نحقق ذلك لا ننزوي وننكس رءوسنا ونموت، بل نعمر الأرض كما عمرها سلفنا الصالح، لقد فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وعمروها وتقدموا علمياً في المخترعات، وحضارة أوروبا الآن إنما نشأت حينما اقتبسوا علومنا المادية. أيها الإخوة في الله! إنه لابد أن نعتصم بالله حتى نعود كما كنا أعزة بدين الله، معتصمين به، حتى نعود كما كان أسلافنا الصالحين رحمهم الله تعالى على إيمان قوي نرفع جباهنا أمام الأمم، معتصمين بالله متوكلين عليه.


الأساس الثاني: اعتصامنا بالكتاب والسنة لا يكفي بمجرده، بل لا بد من أمر آخر، ألا وهو الاعتماد على فهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنهم هم الذين شاهدوا التنزيل، وهم الذين بلغوا الوحي، والقرآن الكريم إنما وصلنا عن طريق الصحابة، وكذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلتنا عن طريق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم أعلم منا بالكتاب والسنة، فإذا اختلفنا في فهم نص من نصوص الكتاب والسنة؛ فإن الواجب علينا أن ننظر إلى فهم أولئك الصحب الكرام رضي الله عنهم أجمعين؛ ولهذا كان أصحابه عليه الصلاة والسلام رضي الله عنهم قد اختصوا بصفات عظيمة منها: شدة حرصهم على الحديث النبوي واهتمامهم في تفسيره، فهذا أحدهم يقول وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو هريرة الصحابي المكثر رضي الله عنه قال له الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال له: (لقد ظننت يا أبا هريرة! ألا يسألني عن هذا أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، ثم قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). كذلك أيضاً: كان الصحابة أهل علم وفقه، كانوا يسألون رسول الله، وكانت عائشة لا تستشكل شيئاً إلا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وراجعته فيه، و أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه. إذاً: كانوا حريصين على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظها وتبليغها، أما تبليغ القرآن فقد تكفل الله بحفظه، وقد كانوا حفظة له مبلغين، ثم حفظ الله هذا القرآن بجمعه وكتابته في عهد أبي بكر ، ثم في عهد عثمان رضي الله عنهم. ثم إن هؤلاء الصحابة دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دعا لـ أبي هريرة وكما دعا لـ ابن عباس. ثم إن هؤلاء الصحابة كانوا يحتاطون كثيراً في تحديثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أيها الإخوة في الله! إننا حينما نقول: إن من مصادر فهم الكتاب والسنة فهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ إنما نقول ذلك لأن هذا يحدد المسار الصحيح لمنهج السلف الصالح رحمهم الله. لقد وجد في زمننا هذا، بل وجد قبل ذلك من يأخذ بنصوص الكتاب والسنة دون أن يرجع إلى فهم السلف الصالح، فأهل البدع قديماً كانوا يأخذون بالكتاب والسنة مع مصادرهم الأخرى من عقولهم، فإذا قيل لهم: إن هذا مخالف لفهم الصحابة والسلف، قالوا: هم رجال ونحن رجال! فوقعوا في الجدال، ووقعوا في التحريف، بل وقعوا في أنواع من التحريف الباطل الذي هو كفر بالله سبحانه وتعالى، فهؤلاء الرافضة -عليهم من الله ما يستحقون- إذا تلوت على أحدهم قول الله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22] قال: أتدري ما اللؤلؤ والمرجان؟ اللؤلؤ والمرجان هما الحسن و الحسين ، الله يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:19-22]، وهذا يقول: الحسن و الحسين! وإذا تلوت قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] في قصة موسى وبني إسرائيل؛ قال لك هذا الباطني الرافضي: البقرة هي عائشة رضي الله عنها! وهكذا من دونهم من أهل البدع، يفسرون النصوص بأهوائهم، وفي عصرنا وجد العلمانيون الذين لا يستطيعون رفض التراث -كما يسمونه- لأنهم يعلمون أن الطعن في الكتاب والسنة ردة، ولكن يقولون: نحن لا نفسر القرآن والسنة كما فسرها الصحابة والسلف، فهم رجال ونحن رجال. وهذا وقع كثيراً حيث يأتي أحدهم إلى كتاب الله تعالى ويفسر الآية كما يشاء، فتقول له: لقد أجمع المسلمون على هذا الفهم، ولا يجوز الخروج على إجماعهم، فيقول: لا، لكنني أنا عربي وأفهم! وجاءوا بتأويلات وتحريفات لنصوص الكتاب والسنة حتى ضاع الدين، وحتى حولت العلمنة الإسلام في كثير من بلاد المسلمين إلى دين شكلي، وضاعت الشريعة، فالربا تحول إلى ضرورة اقتصادية بفتاوى من هؤلاء، والخمر سميت بغير اسمها، وعطلت الشريعة وإقامة الحدود وتطبيق أحكام الله في جميع الأمور، وقالوا: هذا لا يمكن تطبيقه في عصرنا الحاضر، وإنما هذا يصلح للعصر البدوي! قرأت لأحد الحداثيين يقول عن حكم السرقة: يجب أن نفهم حكم السرقة فهماً عصرياً حديثاً، ويجب أن نرجع إلى أسباب النزول، قال: نزلت آية السرقة: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، والعرب كانوا بدواً رحلاً ليس عندهم سجون ثابتة؛ لذلك عدلوا عن السجن إلى قطع اليد، لكن في عصرنا الحاضر بنيت الفلل والبيوت والخرسانة المسلحة؛ فينبغي لنا أن نرجع إلى الأصل فنعدل عن قطع يد السارق إلى السجن! أرأيتم إلى فهم هذا الحداثي! وهو أستاذ الحداثيين في بلادنا. أيها الإخوة! إننا حينما نعدل عن فهم السلف الصالح ونترك الحبل على غاربه لكل من يريد أن يفتي بلا علم شرعي؛ يتحول إسلامنا وديننا إلى أن يكون إسلاماً أملس شكلياً، وأعداؤنا يريدون أن يكون إسلامنا شكلياً، لكن يجب أن نعود إلى أصول العقيدة، وأن نرجع إلى المنهج الصحيح في فهم هذه العقيدة وفي تطبيقها، وإن غضب الكثير الكثير من بني جلدتنا وأبناء عمومتنا.

أولها: أن المصدر الأساس لهذه العقيدة: هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رتب الله عليهما الإيمان في مثل قول الله تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وتحكيم الرسول إنما هو تحكيم لما جاء به من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال الله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، لا يتبعون المتشابه، ولا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كما قال ربنا تبارك وتعالى عن المنافقين: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:85]، الكتاب والسنة هما مصدر العقيدة، فكتاب الله لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42]، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي التطبيق العملي لذلك الكتاب، ومن ثم فإننا نأخذ عقيدتنا من الكتاب والسنة، فإن أعظم مصدر للعقيدة هو الكتاب، ووالله لو تأملنا كتاب الله تعالى لوجدنا فيه القضايا العقدية المتعددة، سواء ما يتعلق بتوحيد الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو الإيمان بالقضاء والقدر أو الإيمان باليوم الآخر، أو بالرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ففي هذا القرآن ما يشفي الصدور، ويعمر القلوب، ويغذي النفوس بعقيدة صالحة. ثم بعد ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمد لله أن الله هيأ لهذه الأمة من يمحص سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويميز صحيحها من ضعيفها؛ فجاءتنا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم صافية، صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، صحيح مسلم هو الكتاب الثاني بعد صحيح البخاري، فكل ما فيهما من الأحاديث صحيحة، وهل فيهما عقيدة؟ نعم والله! فيهما عقيدة، بل أبواب من أبواب العقيدة، في صحيح البخاري تجد كتاب الإيمان، تجد كتاب التوحيد، تجد كتاب القدر، تجد كتاب الفضائل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجد كتاب بدأ الخلق، تجد كتاب القيامة وما فيها، والجنة وما فيها، أبواب وكتب في صحيح البخاري ، وكذلك أيضاً في صحيح مسلم ، وكذلك أيضاً في غيرهما من السنن والمسانيد، وكل ذلك عقيدة صافية ممحصة. فنحن نجعل هذا الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدر؛ ولهذا أيها الإخوة في الله! سئل الزهري -الإمام المشهور- عن قول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود)، ما معناه؟ فأجاب بجواب يبين كيف نتعامل مع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، نسلم بما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، فإذا اختلفنا في شيء فإلى من نرده؟ هل إلى أهواء البشر وإلى قوانين البشر وإلى عادات البشر؟ لا، بل نرد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه عقيدة، فإذا اختلفت الأهواء وتعددت البدع فإلى من نتحاكم؟ نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لنميز المنهج الصحيح من غيره، وحين تختلف الأمة في أحكام الحوادث النازلة بها، فيجب عليها عقيدة أن تتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، وغيرها من الآيات التي تأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام : وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق -انتبهوا!- بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب. المنافقون يريدون التوفيق بين نصوص الوحي وبين أهوائهم، يريدون التوفيق بين العقل وبين النقل، يريدون التوفيق بين نصوص الشرع وبين السياسات الجائرة والقوانين الوضعية، فماذا يقول الله عنهم؟ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62]، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق، فبين الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء منافقون. أيها الإخوة في الله! ومن هنا فإن التنازع يجب أن يرد حين يقع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن الناس تجاه الكتاب والسنة ينقسمون إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يقبل الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً. القسم الثاني: يقبله ظاهرا ًولكنه يرده باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يقولون: نحن نريد الكتاب والسنة، ونعتمد على الكتاب والسنة، ونريد أن تكون عقيدتنا قائمة على الكتاب والسنة، لكنهم في الباطن مخالفون لهذا، ويجلسون مع أعداء الله من المنافقين ومن غيرهم ويقولون لهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]. القسم الثالث: من رده ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم الكفار. القسم الرابع: من قبله باطناً، ولكنه جحده ظاهراً لأمر طرأ عليه، وهذا قد يقع لبعض المستضعفين الذين أكرهوا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان. أيها الإخوة في الله! إن المصدر الأساس لهذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وفي الكتاب والسنة ما يغني ويكفي والحمد لله.


قد أشرت إلى أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة، والسنة في منهاج السلف الصالح: هي كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فلم يكن السلف الصالح رحمهم الله تعالى يفرقون بين ما هو متواتر وآحاد، وعلماء الحديث يقسمون الحديث إلى قسمين: متواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع يستحيل عليهم الكذب. والآحاد: وهو ما دون ذلك، إما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر لكن لم يبلغ حد التواتر. منهاج السلف الصالح أنهم يحتجون بالأحاديث إذا صحت دون أن يفرقوا بين المتواتر وغير المتواتر، لكن أهل البدع من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم قالوا: إن أخبار الآحاد تفيد الظن فلا يحتج بها في باب الاعتقاد، ونقول لهم: إن هذا ضلال وانحراف، ولم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون هذا التفريق بين أحاديث الآحاد وغيرها، ولم يكونوا يميزون بين العقيدة والأحكام، بل يأخذون بأحاديث الآحاد سواء كانت مما ترتب عليه حكم شرعي أو كان خبراً عن الله أو خبراً عن اليوم الآخر، أو أي قضية من قضايا العصر؛ ولهذا فإن منهج السلف الصالح رحمهم الله أن الحديث الصحيح إذا ثبت وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة كما يحتج به في باب الأحكام الشرعية، والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يتلقون الحديث ولو كان آحاداً، ولم يكونوا يفرقون بين ما هو عقيدة وما هو شريعة، فالصحابة وصدقوا بأحاديث عذاب القبر وهي أحاديث آحاد ليست متواترة، صدقوا بالأحاديث المتعددة المتعلقة بحوض النبي صلى الله عليه وسلم أو بالميزان أو بالصراط أو حتى فيما يتعلق ببعض صفات الله تعالى، وأثبتوها وإن كانت أحاديث آحاد ليست متواترة، لم يكونوا يفرقون بين هذا وهذا، النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن، ولما بعثه علمه كيف يدعو فقال له: (يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهل قال المسلمون هناك في اليمن لـمعاذ: أنت أتيتنا بعقيدة أنه لا إله إلا الله، لكنك واحد، وهذا خبر آحاد لا نقبل هذا حتى يأتي معك جمع؟! لم يفعلوا ذلك، وإنما استجابوا لـمعاذ. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الآحاد إلى الملوك وإلى القبائل معلمين لهم العقيدة شارحين لها، وكان أولئك يتقبلونها دون أن يفرقوا بين العقائد والأحكام. إذاً: ما عليه أهل البدع من المعتزلة والمدرسة العقلية الحديثة وغيرهم من الطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مخالف تمام المخالفة لمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى. ......