الأحد، 28 أكتوبر 2012

عليك بآثار السلف


قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115].
عن جابرٍ - رضي اللَّه عنه- قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم : « أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » . رواه مسلم
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة ». [أخرجه : أبو داود ( 4607 ) ، وابن ماجه ( 43 ) ، والترمذي ( 2676 ) وقال: حديث حسن صحيح]
عن أبي قلابة، أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله، عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يُقبض، أو متى يُفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق ». [الدارمي (144) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (163) ، السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (80)]
تبدَّع الشيء : أَنشأَه وبدأَه أو أحدثه واخترعه والمراد هنا : الحدث في الدين بعد الإكمال
التنطع : التكلف والمغالاة والتعمق في القول أو الفعل
التعمق : المبالغة في الأمر والتشدد فيه
العتيق : القديم وما كان عليه الأوائل والمراد التمسك بالقرآن والسنة
وقال أيضاً : « إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون، ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي الأول ». [الدارمي (169) ، السنَّة للمروزي (80)]
وكان حذيفة يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول: « يا معشر القراء اسلكوا الطريق، فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ». [البخاري (7282) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (12) ، السنة لعبد الله بن أحمد (106) ، السنَّة للمروزي (86)]
ودخل ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنه على حذيفة، فقال: « اعهد إلي » . فقال : « ألم يأتك اليقين ؟ » قال : « بلى وعزة ربي » . قال : « فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وأن تنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله تعالى، فإن دين الله واحد ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (120) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (168)]
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه –أيضاً- : « كلّ عبادة لم يَتَعبدْ بها أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- فلاَ تَتَعبَّدوا بها ؛ فإِن الأَوَّلَ لَمْ يَدع للآخِر مَقالا ؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعْشَر القرَّاء ، خُذوا طَريقَ مَنْ كان قَبلكُم ». [الإبانة لابن بطه]
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « مَنْ كان مُسْتنّا فَلْيَسْتن بمَنْ قَدْ مَاتَ أولئكَ أَصْحابُ مُحمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خَيرَ هذه الأمَّة، وأَبَرها قُلوبا، وأَعْمقَها عِلْما، وأَقَلّها تَكلفا، قَوم اخْتارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَة نَبيه - صلى الله عليه وسلم - ونَقلِ دينه فَتَشبَّهوا بأَخْلاقِهِم وطَرائِقِهم ؛ فَهُمْ كانوا عَلَى الهَدْي المُستقِيم ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/97) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (498) ، الشريعة للآجري (1143)]
وعن عثمان بن حاضر، قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: « عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والتبدع ». [سنن الدارمي (141) ، الإبانة لابن بطه (164)]
وعن الزهري ، قال: « كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعا، فـنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وذهاب العلماء ذهاب ذلك كله ». [سنن الدارمي (96) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (136) ، الإبانة لابن بطه (166)]
وقال محمد بن سيرين: « كانوا يرون أنَّه على الطريق ما كان على الأثر ». [سنن الدارمي (140) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (109) ، الإبانة لابن بطه (250) ، الشريعة للآجري (30)]
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه لا يجلس مجلسا للذِّكْر، إلا قال حين يجلس: « الله حَكَم قِسْط ، هلَكَ المرتابون، فقال معاذُ بن جبل يوما : إن ورائَكم فِتَنا يَكْثُرُ فيها المال، ويُفتَح فيها القرآنُ حتى يأخذَه المؤمنُ والمنافقُ، والرجلُ والمرأةُ، والعبدُ والحرُّ، والصغيرُ والكبيرُ ، فيوشكُ قائل أن يقول: ما للناس لا يتَّبعوني وقد قرأت القرآن ؟ وماهم بِمُتَّبِعيَّ حتى أبتدعَ لهم غيرَه فإياكم وما اْبتَدَع، فإنما ابتدَع ضلالة، وأخذِّركم زَيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق » قال: قلت لمعاذ: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: « اجتنبوا من كلمة الحكيم كل متشابه، الذي إذا سمعته قلت: ما هذه؟ ولا ينأينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، ويلقي الحق إذا سمعه، فإن على الحق نورا ». [سنن أبي داود (4611) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (116) ، الإبانة لابن بطه (149) ، الشريعة للآجري (88)]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أزلفه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1242) صفة المنافق للفريابي (26)]
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : « عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَن فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فَمَسَّتْهُ النَّارُ أَبَدًا ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ اللَّهَ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ إِلاَّ كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَبِسَ وَرِقُهَا فَهِيَ كَذَلِكَ إذْ أَصَابَتْهَا رِيحٌ فَتَحَاتَّ وَرَقُهَا عنها إِلاَّ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عن هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَرِقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي غَيْرِ سُنَّةٍ وَسَبِيلٍ، فَانْظُرُوا أَعْمَالَكُمْ، فَإِنْ كَانَتِ اقْتِصَادًا وَاجْتِهَادًا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ ». [مصنف ابن أبي شيبة (36675) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (10) ، الإبانة لابن بطه (259)]
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « إِنَّهَا سَتَكُونُ هَنَاتٌ، وَأُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَعَلَيْك بِالتُّؤَدَةِ، فَتَكُونُ تَابِعًا فِي الْخَيْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ رَأْسًا فِي الشَّرِّ ». [مصنف ابن أبي شيبة (38343) ، الإبانة لابن بطه (184)]
وعنه رضي الله عنه – أيضاً - قال: « يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا يعني مفصل الأنملة، فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهل كتاب قط، إلا كان أول ما يتركون السنة، وآخر ما يتركون الصلاة، ولولا أنهم أهل كتاب لتركوا الصلاة ». [مستدرك الحاكم (8584) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (122) ، الإبانة لابن بطه (194)]
وعنه – أيضاً - قال: « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ الفِتْنَةُ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ» ، قَالُوا: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : « إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ». [مصنف ابن أبي شيبة (38311) ، سنن الدارمي (185) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (123) ، الإبانة لابن بطه (764) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (261)]
وقال رضي الله عنه – أيضاً - : « إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله » . قال ابن المبارك : وكفى بالله وكيلا. [البدع والنهي عنها لابن وضاح (4)]
وعن ابن عباس ، قال : « والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني » . فقيل: وكيف ؟ ، فقال : « والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرجل إلي، فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة ، فترد عليه ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (12)]
وعن أبي إدريس الخولاني ، قال : « لئن أرى في المسجد نارا تضطرم أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير ». [الإبانة لابن بطه (601) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (86) ، السنة لعبد الله بن أحمد (715) ، السنة للمروزي (81)]
وعن ابن عباس، قال : « لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (125) ، الإبانة لابن بطه (11) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (93) ، السنة للمروزي (98)]
وعن عبد الله الديلمي، قال : « إن أول الدين تركا السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة ». [سنن الدارمي (97) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (127) ، الإبانة لابن بطه (234) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (173)]
وعن سلام بن مسكين، قال: كان قتادة إذا تلا: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: « إنكم قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على أمر الله، وطاعته، وسنة نبيكم، وامضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام، والطريقة الصالحة، ثم لا تمرق منها، ولا تخالفها، ولا تشذ عن السنة، ولا تخرج عنها، فإن أهل المروق من الإسلام منقطع بهم يوم القيامة، ثم إياكم وتصرف الأخلاق، واجعلوا الوجه واحدا، والدعوة واحدة، فإنه بلغنا أنه من كان ذا وجهين، وذا لسانين كان له يوم القيامة لسانان من نار». [الإبانة لابن بطه (163)]
وعن عاصم قال: قال أبو العالية: « تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فرددها مرارا ».
فحدثت الحسن فقال : صدق ونصح.
قال : فحدثت حفصة بنت سيرين ، فقالت : يا باهلي ، أنت حدثت محمدا بهذا ؟ قلت: لا. قالت: فحدثه إذا. [مصنف عبد الرزاق (20758) ، اعتقاد أهل السنة لللالكائي (17) ، الإبانة لابن بطه (142) ، البدع والنهي عنها لابن وضاح (75) ، السنة للمروزي (26) ، الشريعة للآجري (19)]
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: تأمل كلام أبي العالية هذا ما أجلَّه، وأعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، ... وأما الإنسان الذي يقرأها وأشباهها وهو مطمئن أنها لا تناله ويظنها في قوم كانوا أمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وعن الحسن البصري - رحمه الله تعالى- قال : « لو أَن رجُلا أَدركَ السلفَ الأَولَ ثم بُعثَ اليومَ ما عَرَفَ من الإِسلام شيئا » قال: ووضع يده على خدِّه ثم قال: « إِلا هذه الصلاة » ثم قال: « أَما والله ما ذلكَ لمن عاشَ في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالحَ؛ فرأى مبتدعا يدعو إِلى بدعته، ورأى صاحبَ دنيا يدعو إِلى دنياه؛ فعصمهُ الله من ذلكَ، وجعلَ قلبهُ يحنّ إِلى ذلك السَّلف الصالح يَسْأَلُ عن سبيلهم، ويقتص آثارهُم، ويَتّبعُ سبيلهُم، ليعوض أَجرا عَظيما؛ فكذلك فكونوا إِن شاء الله ». [البدع والنهي عنها لابن وضاح (176)]
وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ : « سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننـًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (134) ، الإبانة لابن بطه (239) ، الشريعة للآجري (90)]
وقال الإمام البربهاري في شرح السنة : « اعلم أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالا مضلا ».
وقال : « واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعا مصدقا مسلما فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم وكفى بهذا فرقة وطعنا عليهم
قال ابن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ». [شرح السنة للبربهاري (1)]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان وجوب إتباع مذهب السلف: « وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال : عليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جُعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حَدَثٌ حَدَثَ بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما ذلك لعلى هدى مستقيم ». [الفتاوى (4/7)]
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى : « السنَّة سَفينةُ نوح مَن رَكبَها نجَا ومَن تَخَلّفَ عنَها غَرِقَ ». [تاريخ بغداد (3850)]
عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله- قال : « اعلم- أي أخي- أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء، وأهل السنة، وظهور البدع ». [البدع والنهي عنها لابن وضاح (95)]
وقال الإمام الأوزاعي: « عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي - حين ينجلي - وأنت على طريق مستقيم ». [شرف أصحاب الحديث (6) ، الشريعة للآجري (124) ، سير أعلام النبلاء (7/120) ، طبقات الحنابلة (1/236)]
وعن سعيد بن جبير ، قال : « لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل عمل إلا بقول، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بنية موافقة للسنة ». [اعتقاد أهل السنة لللالكائي (18)]
كان ابن عون يقول : « رحم الله رجلا لزم هذا الأثر، ورضي به، وإن استثقله واستبطأه ». [الإبانة لابن بطه (270)]
عن وهب بن منبه قال : « الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة : أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان » قال محمد بن الحسين: جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع، وتقوى بهم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء، بمنه وكرمه. [الإبانة لابن بطه (39) ، الشريعة للآجري (3)]
وقال سهل بن عبد اللّه التّستري: « عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه ».
وعن سليم بن أخضر قال سمعت ابن عون يقول غير مرة: « ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآن فيتعمله ويقرأه ويتدبره وينظر فيه والثانية أن ينظر ذاك الأثر والسنة فيسأل عنه ويتبعه جهده والثالثة أن يدع هؤلاء الناس إلا من خير ». [السنة للمروزي (106)]
وعن ابن الماجشون، قال: سمعت مالكا يقول: « مَن ابْتَدَعَ في الإِسلام بدعة يَراها حَسَنة ؛ فَقَدْ زَعَمَ أَن مُحمّدا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خانَ الرّسالةَ ؛ لأَن اللهَ يقولُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لَم يَكُنْ يَوْمَئذ دينا فَلا يكُونُ اليَوْمَ دينا ». [الاعتصام للشاطبي (1/62)]
قال الإمام ابن بطه العكبري : « فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأمر به أصحابه، والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة، واتباع الآثار ما فيه بلاغ، وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا، والآخرة، فإنه قال: { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه ونعوذ به ممن كان موصوفا به فإنه قال: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } ، فرحم الله عبدا لزم الحذر واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة ».

الجمعة، 26 أكتوبر 2012

الجذور التاريخية لظهور مصطلح السلفية

كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فسلف الرجل لغة: آباؤه المتقدمون ممن هم فوقه في السن والفضل، والمفرد: سالف، ومن الناحية التاريخية؛ فالمراد بالسلف: أئمةُ الصحابةِ -رضي الله عنهم-، والتابعين، وتابعيهم؛ ممن عُرفوا بالإمامة والفضل دون من اشتهر أو رُمي ببدعة.
واصطلاحًا: مذهب "السلف" -أو السلفية- والمراد به: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومَن تَبِعَهم وشُهِدَ له بالإمامة في الدين، وعُرِفَ فضلُه وعَظُم شأنه فيه، وتلقى الناس كلامه بالقبول؛ كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن.
فكل مَن التزم بمنهج وعقائد هؤلاء الأئمة من السلف؛ نُسِبَ إليهم وإن باعدت بينه وبينهم الأزمان، وكل مَن خالفهم في المنهج أو العقيدة؛ فلا يُنسَب إليهم وإن عاش بين أظهرهم وخالطهم.
فالسلفية هي المدرسة التي حافظت على ما كان عليه صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنهج والاعتقاد خاصة بعد أن ظهر الافتراق العقائدي في الأمة، وكثرت الفرق المختلفة التي خالفت -وخرجت- عن منهج الصحابة وما اعتقدوه، وقد تعددت مسميات هذا المذهب -أو قل: ترادفت- مع ثبات المضمون، فلما كان علماء الحديث في زمن التابعين هم ورثة علم الصحابة -رضي الله عنهم- وفهمِهم للكتاب والسنة؛ تَسَمَّى السائرون على منهج وعقيدة الصحابة بـ: "أهل الحديث".
ولما تفاقمت البدع وشذ أهل الأهواء عن الجماعة في المنهج والاعتقاد؛ تسمى المتمسكون بمنهج وعقائد الصحابة وأهلِ الحديث في عهد تابعي التابعين بـ: "أهل السنة والجماعة" في مقابلة "أهل البدعة" من المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والرافضة، ونحوِهم، ولما حاول الخَلَفُ من الأشاعرة نصرةَ عقائد سلف الأمة بالمنهج العقلي -كطريقة المبتدعة من المتكلمين-؛ سـُمِّيَ المتمسكون بمنهج السلف بـ"السلفيين"، فظهور مصطلح "السلفية" من الناحية التاريخية ارتبط بظهور "مذهب الخلف" من الأشاعرة الذين زعموا نصرة عقائد السلف بمنهج المتكلمين، ونزيد هذا الأمر وضوحًا؛ فنقول:
كمال الدين في عهد الصحابة مُجتمِعِينَ:
بلغ الدين كماله في عهد صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم يمت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن بلـَّغ الرسالة كاملة، قال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة:3)، فما من شيء يقربنا إلى الجنة إلا وأمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وبينه لنا، واجتمع علم ذلك في صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- مُجتمِعِينَ، ولم يكن مطلوبًا من المسلمين إلا أن يحافظوا على هذا الدين كاملاً -علمًا وعملاً- كما تلقاه الصحابة وطبَّقوه في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتميز جيل الصحابة -رضي الله عنهم- بأنهم كانوا على منهج وعقيدة واحدة لا يختلفون فيها، وما وقع بينهم -وهو قليل- من منازعات وخلافات؛ فلم تكن ذات طابع عقائدي، ولا شك أن اجتماعهم على المنهج وفي الاعتقاد حجةٌ في الدين؛ إذ إجماعهم أَوْلَى من أي إجماع خاصة، وهو ثابت عنهم معروف.
يقول ابن تيمية -رحمه الله- في "منهاج السنة": "ويَعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا يَنتصِر لشخص انتصارًا مطلقـًا عامًّا إلا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا لطائفة انتصارًا مطلقـًا إلا للصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-"(1).
ودليل ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم- في الفرقة الناجية عندما سئل عنها: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، قال ابن تيمية: "هو حديث صحيح مشهور"، وجاء في وصيته -صلى الله عليه وسلم- للأمة أن تتمسك بهدي أئمة الصحابة وسنتِهم؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- في بيان العلاج عند وقوع الافتراق والاختلاف: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)؛ فجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- سنتَه وسنتَهم في ضمير واحد بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عَضُّوا عَلَيْهَا)، ولم يقل: "عضوا عليهما"، فسنتهم هي سنته؛ فهم لم يخرجوا عنها -وحاشاهم-، بل نقلوها وطبَّقوها كما عَلَّمها لهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ولقد كان هَديُهم ومنهجُهم -رضي الله عنهم-: تقديمَ الكتاب والسنة، والاحتجاجَ بهما.
يقول د/ مصطفى حلمي -حفظه الله-: "ونفهم من استقراء أقوالهم وسلوكهم في جميع أصول الدين أنهم كانوا يتقيدون بهذا المنهج -أي: تقديم الشرع على العقل- لا عن قصور في الفهم، ولكن لمعرفتهم بمكانة الشرع، وضرورة تقديمه على الاستنباطات العقلية التي لا تستند إلى دليل"(2).
وما وقع في الأمة بعد ذلك من اختلافٍ في العقائد عمَّا كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، وتقديمِ العقل على الأدلة الشرعية هو من نقصان الدين والخروجِ عليه.
يقول د/ مصطفى حلمي -حفظه الله-: "لم يكن الكلام في الدين -إذن- تطورًا من البسيط إلى المركب، أو من الأدنى إلى الأعلى، بل كان نكوصًا من الكمال إلى النقصان، وعصيانـًا للأوامر، وانشقاقـًا عن الجماعة"(3).
حفاظ الأمة على الدين في عهد التابعين وتابعي التابعين:
كان حال علماء الأمة من التابعين وتابعي التابعين -وهم الآخذون بعلم الصحابة وفهمِهم، والناقلون لما كانوا عليه؛ إذ كانوا أهل حديث- هو الامتدادَ التلقائيَّ لمنهج وفهمِ الصحابة -رضي الله عنهم-، وكانوا هم ومَن وافقهم جمهورَ الأمة وجماعتَهم؛ لذا كان مَن يأتي بما يخالفهم يواجَه بالإنكار ويوصَف بالشذوذ؛ لأنه خرج عن جماعة المسلمين.
وامتد دور أهل الحديث من التابعين وتابعيهم مِن عصر الصحابة إلى عصر بني أمية وفترة من حكم الدولة العباسية، ورغم ظهور الخوارج والشيعة الرافضة ومَن بعدهم من المبتدعة؛ فإن هذا لم يُؤَثِّر في القاعدة العريضة من المسلمين، لذا لم يتميزوا خلال تلك الفترة باسم خاص، فهم "أهل الحديث" وكفى، وإنما تَسَمَّى مَن خرج عنهم؛ ليُعرَف ببدعته وانشقاقه؛ خاصة وإنهم قلة بجانب الكثرة المتمسكة بمنهج ومعتقد الصحابة -رضي الله عنهم- وأئمة التابعين وتابعي التابعين، لذا لما سُئل الإمام مالك عن تعريف أهل السنة والجماعة؛ قال: "الذين ليس لهم لقب يُعرَفون به؛ لا جَهْمِيٌّ، ولا رافِضِيٌّ، ولا قَدَرِيٌّ"(4).
لقب "أهل السنة" في مقابلة لقب "المُعتَزِلة":
لما كثر خوض أهل البدع بمنهجهم العقلي في عقائد المسلمين، وظهر واستفحل علم الكلام والفلسفة على يد "المعتزلة" خاصة في عهد الخليفة العباسي "المأمون"؛ تَسَمَّى المتمسكون بمنهج الصحابة والتابعين وتابعيهم بـ"أهل السنة" في مقابلة أصحاب المنهج العقلي من المعتزلة، فصار لقب "السني" في مقابلة لقب "المعتزلي"، ولما تصدى الإمام أحمد بمنهجه المبنيِّ على الاحتجاج بالكتاب والسنة في مواجهة أئمة "المعتزلة" -المُدَعَّمِينَ بتأييد بعض الخلفاء العباسيين- وانتصر عليهم؛ الْتَفَّتِ الأمةُ حول إمامها؛ فسُمِّيَ بـ"إمام أهل السنة والجماعة" حتى صار اسم "الحنبلي" يُطلَق على "السني" عند البعض في تلك الفترة الزمنية.
يقول الإمام أحمد مبينـًا منهجه في مقابلة المعتزلة في زمانه: "لست أتكلم إلا ما كان من كتاب أو سنة أو عن الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"(5).
محاولة "الأشاعرة" نصرة عقائد السلف بمنهج "المتكلمين":
ولد أبو الحسن الأشعري بالبصرة عام 260هـ، ودرس علم الكلام على مذهب المعتزلة على يد علي الجبائي، ولما تبين له فساد مذهب المعتزلة؛ قام بالرد عليهم، ومال إلى نصرة عقائد أهل السنة على منهج المعتزلة في الاستدلال، وقد تبين له في أواخر حياته صحة مذهب السلف منهجًا واعتقادًا؛ فالتزمه، يشهد لذلك آخر كتبه التي أَلَّفَها وهو: "الإبانة عن أصول الديانة"، ولكنَّ أتباعَه ومَن وافقهم تمسكوا باستخدام المنهج الكلامي في الدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة في مواجهة المعتزلة، بل واعتبروا علمَ الكلام من جملة العلوم الشرعية المشروعة إذا أراد به مُتعلِّمُه نصرةَ عقائد أهل السنة!
ورأوا أن طريقتَهم -طريقة الخلف- في الرد على المخالفين لأهل السنة بعلم الكلام أعلمُ وأحكمُ، وأن طريقةَ السلف في الاقتصار على الكتاب والسنة في الاستدلال أسلمُ وأحوطُ، وزعموا أنهم بمثابة امتداد للسلف، وأطلقوا على أنفسهم لقب "الخلف"، كما زعموا أنهم جمعوا بين العقل والنقل معًا، ولكنَّ طريقة الأشاعرة لم تلقَ تأييد "أهل الحديث" وأتباعِ الإمام أحمد -"أهل السنة والجماعة"-، ورأوا أن منهج الأشاعرة في الرد على المعتزلة هو خروج عن منهج السلف ومذهبهم، خاصة وأن للأشاعرة مخالفاتٍ عقائديةً تظهر في قولهم بـ"نظرية الكسب" في تفسير أفعال العباد، وقولِهم: إن الإيمان هو المعرفة، ولا يلزم النطق بالشهادة، ولا العملُ كغلاة المرجئة، وقولِهم: إن كلام الله كلامٌ نَفْسِيٌّ، وإن القرآن عبارةٌ عن كلام الله، واقتصارِهم في إثبات الصفات على صفات سبعة، والتكلمِ في صفات الأفعال بالتأويل(6).
والمذهبُ السَّلَفِيُّ يرفض علم الكلام؛ سواء على طريقة المعتزلة أو على طريقة الأشاعرة، والأشاعرةُ وإن أَيَّدُوا أهلَ السنة في عدة مسائلَ إلا أنهم ليسوا بسلفيين، وهم وإنْ كانوا يُذكَر لهم دورُهم في الرد على المعتزلة وبيانِ فساد ما هم عليه إلا أنهم ليسوا على منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال، والحقُّ أَحَقُّ أن يُتَّبَعَ.
يتبين من هذا العرض التاريخي المختصَرِ أنه لما كان جمهور الأمة على ما كان عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يحتج الأمر أن يتسموا باسم، وإنما كان يُسَمَّى مَن خرج عنهم؛ ليُعرَف ببدعته، ولكنْ لما تَفَشَّت البدع وكثر الخروج عما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، وقَلَّ مَن منهجُهم التمسكُ بما ورد في الشرع، وكثرت الفرق وتعددت؛ كان لزامًا أن يكون لأهل الحق اسمٌ يميزهم عن غيرهم، ويشير إليهم، ويدل عليهم، ويكون عنوانـًا لِمَا هم عليه، ولا يوجد مانعٌ شرعًا من التسمي باسم أو الاشتهار بلقب إذا كان المضمون موافقـًا للشرع.
ولقد ظل التمسك بمنهج الصحابة -رضي الله عنهم- ومعتقدِهم ثابتًا لا يتغير، ولكن لما حَمَل منهجَهم ومعتقدَهم أهلُ الحديث وعلماؤه؛ سُمِّيَ أهلُ الحق بـ"أهل الحديث"، ولما وقع الانشقاق في الأمة وكثرت البدع في مقابلة السنة؛ سُمِّيَ أهلُ الحق بـ"أهل السنة والجماعة"، ولما جاء الخلف مِن الأشاعرة وقالوا عن طريقتهم أنها أحكمُ وأعلمُ وخالفوا منهج السلف؛ كان اسم "السلفية" هو العنوانَ على ما كان عليه صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- من منهج ومعتقد، فتغيرت الأسماء ولم يتغير المضمون، فصارت هذه الأسماء بمثابة مترادفات لمضمون واحد.
ولا يخفى أن الأشاعرة لما زعموا أن طريقتهم في الاستدلال بمنهج المتكلمين أعلم وأحكم، وأن طريقة السلف أسلم وأحوط؛ كان ذلك مدعاةٌ أن يقال: طريقة الخلف وطريقة السلف، ومنهج الخلف ومنهج السلف، وظهور مصطلح السلفية والمذهب السلفي من كلام الأشاعرة أنفُسِهم، ولم يحتج الأمر إلى رفض أهل الحق لتلك المُسَمَّيَات، إنما كان رَدُّهم على ذلك أن طريقة السلف ومنهجَهم هي الأعلمُ والأحكمُ كما أنها الأسلمُ والأحوطُ.
ولقد تَسَمَّى البعض في زمن النبوة بـ"المهاجرين"، والبعضُ بـ"الأنصار"؛ فلم يُنكَر عليهم التَّسَمِّي بذلك؛ بل ربما كان للمهاجرين في القتال رايةٌ، وللأنصار رايةٌ، وكلاهما تحت لواء المسلمين، ولكن لما تنازع بعض المهاجرين مع بعض الأنصار، وصاح صائحهم: يا للمهاجرين، والآخرُ: يا للأنصار؛ قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، فأنكر عليهم العصبية للمسميات، ولم يُنكِر عليهم التسميَّ بها قبلَ ذلك أو بعدَه، فلا مانع شرعًا من التسمي بأسماء، إنما النظر للمضمون: ألاَّ يكون فيه مخالفةٌ للشرع، وألاَّ يكون هنالك التعصبُ للمسميات دون النظر للمضمون.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-(7): "لا عيب على مَن أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقـًّا، فإن كان موافقـًا له باطنـًا وظاهرًا؛ فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنـًا وظاهرًا، وإن كان موافقـًا له في الظاهر فقط دون الباطن؛ فهو بمنزلة المنافق؛ فتُقبَل منه عَلانِيَتُه، وتُوكَل سَرِيرَتُه إلى الله، فإنَّا لم نـُؤمَر أن ننقُبَ عن قلوب الناس ولا نشقَّ بطونَهم" اهـ.

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

مستقبل الدعوة السلفية.. رؤيـة نـقـديـة

مستقبل الدعوة السلفية.. رؤيـة نـقـديـة 

الشيخ محمد حسين يعقوب
 
الدعوة السلفية هي عماد الصحوة الإسلامية المعاصرة، وهــي مـــادتها، وقاعدتها القوية التي تصل ما انقطع بين الخلف وسلفهم الطيب الصالح، وتدعو الــنـاس إلى منهج الجيل الراشد، وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأن ذلك النهــج وذلك الهدي هما في الحقيقة منهاج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، كما قال: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الدعوة المباركة تتحمل تبعات جسام فـي مسيرة الإحياء الإسلامى الجديد، تستدعي من أبنائها وأهلها أن يكونوا على قدر هـــذه التبعات، علماً وحكمة، وسعة وإدراكاً، وجهداً وجهاداً، وأثبت عند النوازل والفتن عـلــــى مختلف أنواعها وصنوفها.
بيد أن الأمر الذي لا يسعنا تجاهله أو تجاوزه، هو أن هذه الدعوة وأهلها مـــن العلـمـاء والـدعـــــاة والـمفكرين والعاملين يبقون بشراً من البشر، وتبقى جهودهم في هذا السبيل جهوداً بشرية، يعتريها ما يعتري الجهد البشري من عوارض مختلفة؛ منها الزلل، ومنها الخطأ، ومنها الغلو أو الإفراط أو التفريط، ومنها الذهول عن بعض الحقائق المنهجية أو العلمية أو الواقـعـيــة، ومـنـهــا ضعف بعض النفوس أو ضعف بعض الهمم، وهذه كلها سلبيات تقع لكل جهد بشري، فطرة الله، ولا عصمة لأحد من الناس بعد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وهذه الحقيقة من شأن استحضارها أن ينفي الحساسية الزائدة من أي ممارسة نقدية أو تقويمية ذاتية تتوجه إلى الجهود الدعوية المرتبطة بالمنهج السلفي، وإذا كنا نتوجه بالنظر والتقويم والنقد والتصحيح لمجهودات إسلامية مختلفة، من فصائل وأحزاب وجماعات، على قربها أو بعدها من المنهج الرشيد، فلماذا نستنكف نحن أن نقوم أنفسنا، ونعيد النظر في مسار الدعوة السلفية كل حين للكشف عن المعوقات أو الآفات والسلبيات التي تعترض مـســــار هذه الدعوة، أو التي تشينها، أو التي تتسبب في فتنة الآخرين تجاهها؟
إن انتساب أي شـخـــــص أو حركة أو تيار إلى المنهج السلفي لا يعني منحه صك عصمة مفتوحاً، بحيث يكون كل قول له أو فعل أو سلوك أو تقدير حقاً لا مراء فيه، ورشاداً لا زيغ معه، واستقامة لا اعوجاج بها، فهذا كله غلو ينبغي أن تتنزه عنه الدعوة السلفية، ولابد أن نملك الجرأة والثقة التي تجعلنا نعيد تقويم جهودنا الدعوية، بعدل وإنصاف، وتواضع وجد، حتى لا تتـراكـــم الأخـطـاء، أو تتكاثف السلبيات، أو تتضخم الهفوات بما يهدد وجود الدعوة، ونكون عياذاً بالله فـتـنـة للناس، في تقديرهم وحكمهم على منهج الفرقة الناجية ذاتها، والدعوة السلفية بوجه عام.

ثلاث ملحوظات مهمة:
وفق هذا الاطار، وتلكم الرؤية، تجيء هذه الملحوظات الثلاث التي أقدمها للقارئ المسلم، باعتبارها محاور أساسية، ألاحظ وجــود الاضطراب بسببها عند بعض الجهود الدعوية، وأرى أن ضبطها ووعيها و ترشيد الـمسار الدعوي فيها هو مطلب بالغ الأهمية وشديد الخطورة، ومن شأن الإحاطة به و إنـجــازه أن يختصر الكثير من مـسـافــات الطريق نحو التمكين لدين الله ودعوة الحق في مستقبل البشرية إن شاء الله تعالى: 
الملحوظة الأولى: وتتعلق بفهم طبيعة الدعوة، ومداها، ورسالتها العامة، إذ هناك نفر من الدعاة يظنون الدعوة إلى التوحيد مجرد عمل تثقيفي أو تعليمي، تصحح به تصورات الناس تجاه مفهوم "الربوبية" و"الألوهية" ومنهج أهل السنة في"الأسماء والـصـفــات" المتعلقة بالباري سبحانه وتعالى فحسب، دونما بيان شاف كاف عن تجليات هذه العقيدة في واقع الناس وسلوكهم ونظمهم الاجتماعية والقيمية والتشريعية ومشاعرهم وولائهم وجـهــادهم وغير ذلك. وهذا الاتجاه المحدود، لو تعززت وجهته في الدعوة السلفية، فستنتهي بنا حتماً إلى حصر الدعوة الإسلامية بشمولها في نوع من الجدل الكلامي الذى يكثر فيه تشقيق المعاني وتهويم الخواطر، وتناطح الأمثلة التجريدية، وإتاحة الفرصة تماماً أمام التيارات المنحرفة لصياغة الواقع الاجتماعي، وبنيان الأمة وفق مناهجهم الفاسدة.
وهذا الخلل في الحقيقة يقدم بصور مختلفة أخرى، منها الحديث عن أن (تصحيح العقيدة) فقط هو مطلب هذه المرحلة، وليس من واجب الداعية وربما ليس من المشروع له أن يحدث الـنـاس عـــــن الانحرافات الخلقية، أو أزماتهم الاقتصادية أو مشكلاتهم التشريعية، أو تحدياتهم الدولية، أو هموم واقعهم المختلفة، فلابد أولاً من تصحيح (عقيدة) الناس، ثم في مرحلة لاحقة نصحح باقي الانحرافات، ولا شك أن هذا انحراف كبير عن هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودعوة الإسلام قاطبة عند النبيين والمرسلين.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يـدعـــو قومه إلى التوحيد الخالص في مكة- طوال ثلاث عشرة سنة- ليخرج قومه من ظلمات الجاهـلـيـــة والوثنية والإشراك بالله إلى نور التوحيد، ومع ذلك الحرص الشديد على دعوة التوحيد، فــإن الـرســول صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في تصحيح الانحرافات الاجتماعية كلها في الواقــع الـذى يعـيـشـه، ويقرن ذلك كله بالتوحيد، حتى لكأنهما بناء واحد لا يمكن فصل بعضه عن بعض في دعوة الحق، وحسبنا في ذلك القرآن المتلو في مكة:
ألم يكن مما تلاه صلى الله عليه وسلم على قومه في مكة {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (*)الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (*)وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ (*)أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (*)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (*)يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ (*)} ؟!
أرأيت كيف ترتبط الدعوة إلى العدل والقسط و النزاهة بالإيمان بالله واليوم الآخر؟
أولم يكن مما تلاه صلى الله عليه وسلم على الناس بمكة قول الحق تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (*)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (*)وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (*)فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (*)الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (*)} ؟!
أرأيت كيف ارتبطت العقيدة بالسلوك الاجتماعي بالعبادة في رباط واحد وسياق واحد؟
ألم نقرأ ما نزل من آخر سورة الفرقان، وفقه الدعوة وشمولها فيه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (*)وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (*)يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (*)إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (*)وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (*)وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (*)} ؟!
ألم يربط القرآن أذهان المسلمين بالأحداث الدولية الجارية في زمانهم وآثارها على الجماعة المسلمة، رغم بعد المكان، وانعدام الصلة تقريباً من الناحية العملية بين هذه الجماعة وتلك الأحداث: {غُلِبَتِ الرُّومُ (*)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (*)فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ (*)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ (*)} ؟!
وعلى هذا النهج فقس، وهو أمر يطول ويشغل الصفحات العديدة، وهذا كله فيما نزل بمكة، ولا يوجد موحد آنذاك على الأرض إلا بضع عشرات من المؤمنين بقرية من قرى كوكب الأرض، وهذا أسوقه لمن يقابل بين واقع المسلمين الحالي وواقع مكة: من بعد الناس عن التوحيد أو جهلهم به، وهذا أمر لا يسلم تماماً، فأوجه الافتراق واضحة، كما أن أوجه المشابهة موجودة أيضاً.
ثم هل جاء نبي أو رسول من رسل الله، إلا وكان يدعو إلى إصلاح المجتمع كله، وليس فقط تصحيح العقيدة فقط؟! ألم يكن منهم من جمع بين الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى التنزه عن فاحشة إتيان الذكـــران، ومنهم من دعا إلى القسط في المعاملات التجارية: {أَوْفُوا الكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ (*)}، ومنهم من دعا إلى إزالة التجبر والطغيان:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (*)وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (*)وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (*)فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (*)}، أولسنا مأمورين بالاقـتــداء بـهــذه الكوكبة الرائعة من دعاة التوحيد. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ! .
إن الدعوة السلفية مطالبة بمحاصرة هذه الجـهـــود الانعزالية المنتسبة إلى المنهج السلفي، وهي في حقيقتها لا تتعدى الصورة الجديدة للمـنـهـج الصوفي الانعزالي القديم، الذى عزل الدين عن الدنيا وهموم المجتمع ومقتضيات الاستخلاف في الأرض، قبل أن تأتي العلمانية لتستثمر هذا الانحراف وتؤسس عليه تخريبها الكبير في ديار الإسلام.

الملحوظة الثانية: وهي محور أساس وجوهري من محاور الدعوة الإسلامية. يذهل المرء عندما يجد دعاة منتسبين إلى المنهج السلفي ينازعون فيه، أو يحقرون من قيمته، وذلك هو أصل معرفة الزمان، والوعي العميق بالواقع الاجـتـمـاعــي الذي تتحرك فيه الدعوة، وتتنزل به الأحكام، وقديماً قال الصالحون: (رحم الله امرءاً عـــرف زمـانـــه فاستقامت طريقته).
إن البصيرة النافذة بأحوال الزمان وأحوال الناس فيه، والعلاقات التي تتحكم في سلوك الناس الاجتماعي وتؤثر في اتجاهات هذا السلوك، والضغوط التي تفعل فعلها في الواقع، وموازين القوى، وأعراف الناس المتغيرة، وهموم المسلمين، وما عمت به البلوى وما لم تعم، والأخطار المحدقة بالأمة من خارجها ومن داخلها، ومواقع القوة أو الضعف فيها وفي أعدائها، ونحو ذلك من أحوال، هذا كله ليس مجرد جهود محمودة، بل هو مطلب شرعي لا تستقيم الدعوة، ولا تنضبط أحكام الشريعة بدون تحصيله، وبــدون هذا الفقه للواقع لا يمكن لمسلم تنزيل قاعدة (المصالح والمفاسد)، ولا أصل (لا ضرر ولا ضرار)، ولا أصل (ارتكاب أخف الضررين) ولا باب (سد الذرائع) ولا باب (الضرورات العامة ومــا تعم به البلوى) وغير ذلك الكثير من مقتضيات الدعوة وأصول الأحكام، ومن دخل في شيء من هذا كـلــه بدون معرفة بالزمان وبصيرة بأحوال المسلمين وفقه لواقعهم، فهو مغامر ولا شــك، وضـــارب في عماية، ولا يؤمن جانب دعوته وفتواه أن تودي بالمسلمين إلى موارد الهلكة والفساد.
ولقد كــان مـن هـــدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، مراعاة أحوال الناس، والبصيرة بواقعهم وظروف الــزمـان، وموازين السلوك الاجتماعي، وكان يوجه دعوته صلى الله عليه وسلم وفق ذلك الاعتبار، فيقدم ويؤخر، ويوجه ويرشد.
روت لنا كتب السنة -الصـحـيـحــان والنسائي وأحمد واللفظ لمسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قال رسول الله: ولولا حدثان قومك بالكفر لفعلت».
لقد وعى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقــع الـنـــاس وحساسـيات ذلـك الواقع، ووضع ذلك كله في اعتباره وتقديره، فأخر ما كان يحب فـعـلــه مراعاة لذلك الواقع، وقد ثبت أن ابن الزبير رضي الله عنه حقق ما أمله رسول الله صـلــى الله عليه وسلم فيما بعد، بعد أن تغير الواقع واختلفت موازينه.
وروت لنا كتب السنة -و اللفظ لمسلم في صحيحه- من حديث معاذ بن جـبـــل رضي الله تعالى عنه قال: «كنت ردْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقـــال له عفير، قال فقال: يا معاذ؛ تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله عز وجل ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال قلت: يا رسول الله أفلا أبـشـــر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا».
وفي هذا الحديث الجليل فائدتان، الأولى هي هدي النبي صلى الله عليه وسلم عندما مـنــع إذاعة البشارة في ذلك الوقت مراعاة لأحوال الناس، ومبلغ فقههم وانتشار العلم فيهم، ودرجـــــة وعيهم بوضع هذه البشارة من سياق التكليف كله، ومن لا يعرف واقع الناس لن يفهم قـيـمـــة ذلك الهدي الجليل.
والفائدة الأخرى من اجتهاد معاذ بن جبل رضي الله عنه، عندما أذاع هذه البشارة قـبـل مـوتته، وما ذلك إلا لمعرفته بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن الـمـنــع كان متعلقاً بواقع الناس، فلما تغير الواقع، وشاع العلم، وتمكن الإسلام في النفوس، أذاع البشارة تأثماً من كتمان العلم، ومعاذ رضي الله عنه هو من هو في معرفة الحلال والحرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختاره لتبليغ الدعوة ونشرها في اليمن، وبعث مـعـــه أبا موسى الأشعري، وأوصاهما في مهمتهما الجليلة فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تـنـفـــرا».
واليسر والبشارة أو العسر والتنفير ليسا من الأمور النظرية المجردة، وإنما هي مرتبطة بواقع الأحكام والدعوة في المجتمع وبين الناس، فمن جهل طبيعة الواقع أو تجاهل أحوال الـنـاس لم يدر هل يسر عليهم أم عسر، وهل نفرهم عن الدعوة أم حببهم إليها، فضلاً عن مـتـى يكون التكليف يسراً في الواقع، ومتى يكون عسراً
وواقعة حديث معاذ رضي الله عنه نفسها تكررت مــع أبي هريرة رضي الله عنه، وروتها كتب السنة، إذ حمله الرسول صلى الله عليه وسلم الـبـشــارة: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشره بالجنة» فـقــال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه و سلم: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهـم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فخلهم»، وفي هذه الواقعة فائدة إضافية، وهي اجتهاد عمر رضي الله عنه في معرفة الزمان وأحوال الناس وواقعهم وبالتالي أثــر البشارة في ذلك الواقع، ولا شك أن اجتهاد عمر أتى من خلال معرفته بهدي نبيه ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك الاجتهاد متوافق مع ما تعلمه منه، لأن مثل عمر لا يقدم بين يدي الله ورسوله، ثم فائدة اجتهاد أبي هريرة في إذاعة الحديث في زمان لاحق، بدليل أنه وصلنا الآن ودونته كتب السنة.
وروت لنا كتب السنة -واللفظ للبخاري في صحيحه- من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمّعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما هذا؟ فقالوا كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها مُنْتِنة"، قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ثم كان المهاجرون بعدُ، فقال: عبد الله بن أبي: أوقد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعهُ، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتُل أصحابه».
فانظر إلى حكمة النبي الكريم وهديه، فالخِطاب لم يتعلق برفض ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه من كونه يستحق القتل على فعلته، وإنما الخِطاب تعلق بأثر ذلك الفعل في "الواقع" ومدى تأثيره في حركة الدعوة ومسيرة الجماعة المسلمة وفتنة الناس «لا يتحدث الناس أن محمداً يقـتل أصحـابـه»، و ابـن أبي ليس من أصحابه ولا شك، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن واقع موضوعي ينبغي مراعاته، بغض النظر عن الحكم المطلق، إذ عامة العرب لا تعرف هذه التفصيلات الداخلية في الجماعة المسلمة، وإنمــا هي تنظر إلى مثل ابن أبي بن سلول على أنه من أصحاب محمد، فهل لنا من السير على مـثــل هـــذا الهدي النبوي الكريم؟!.
والـشـواهـــد على ذلك الهدي تطول، ولعل باحثاً نابهاً يجتهد في جمعها واستقصائها في دراسة شاملة، فهذا مما يحتاج إليه الشباب بخاصة في هذه الأيام، وحاصل الكلام هنا أن معرفة الزمان، والبصيرة بالواقع، وفقه أحوال الناس، وهموم الأمة الداخلية والخارجية، هي مطلب شـرعـي ملح، ولا سيما في هذه الأيام، ولا تستقيم دعوة، ولا يهدي بيان لا يمتلك هذا الأساس القوي الجليل، وإن من يكابرون في ذلك ويعاندون -ولا أقول يخالفون- يلحقون أبلغ الضرر بالدعوة السلفية، ويفتحون باباً واسعاً لفتنة الناس والشباب في جدية هذه الدعوة وفاعليتها وقيمتها.

الملحوظة الثالـثــة: وهي متعلقة بفقه الاختلاف، والذي تحول إلى ثغرة خطرة تهدد بنيان الدعوة، وتؤرق أبناءها، حيث أصبح كل خلاف ينشأ بين اثنين أو وجهتين من أبناء الدعوة هو بمثابة حــرب شرسة، لا توسط فيها ولا رحمة، والخائض فيها إما قاتل وإما مقتول، من سهام التـجـريح والتقريع والاتهام في النوايا والسرائر، وترصد الشوارد، وتلمس السقطات، وغير ذلك على قاعدة "لا نجوت إن نجا"!

مسائل ثلاث: 
والحديث هنا يتعلق بثلاث مسائل:
المسألة الأولى: وتتوجه إلـى أدب الاخـتــلاف، حيث يتوجب استحضار روح الأخوة والرحمة واللين وخفض الجناح وإحسان الظن فـي خــلاف أهل الإسلام، ولا سيما أبناء المنهج السلفي الواحد، فهم أهل ذلك وهم الأولى به، وضرورة النأي عن الفظاظة والقسوة والعنف والتجريح والطعن في النوايا، وهذا هو الأصل العام للدعوة الإسلامية:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}
والخلافات لا تنتهي في الفروع ومواطن الاجتهاد، فليس يعقل أن يصبح كل خلاف مشروع حرب، وتوطئة إلى القطيعة وربما السباب، إلى الحد الـــذي أصبحت فيه الخلافات بين أبناء الدعوة السلفية تتسم في كثير من الأحيان بالشراسة والمرارة والقسوة، فما أبعد الطريق بيننا وبين أخلاق سلفنا الصالح.
روى الذهبي في (سير أعلام النبلاء) قول يونس الصدفي رحمه الله تعالى قال: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقـيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مـسـألة؟)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى: (.. ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة).

المسألة الثانية: تتعلق بتوصيف الاختلاف، فعلى الرغم من أننا نملك نصوصاً واضحة في بيان السعة في أمر الاجتهاد، من أجلاها قول الرســـول الكريم - صلى الله عليه وسلم-: «إذا اجتهــد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»، إلا أن كـثـيــراً من المختلفـيـن يـضـن بعضهم على بعض أن يكون له ولو أجر واحد، أو أن يتركه في حال سبيله لا عليه ولا له! إذ أن الخطأ الاجتهادي أصبح وضعاً غير معترف به الآن في الحــــوار، وحلــت محله أوصاف أخرى أشهرها البدعة والكفر، فمن خالف أخاه في مسألة فهو إما مبتدع وإما كافر، أما أن يقول: مخطئ في اجتهاده، فهذا وصف أصبح عزيز المنال في واقعنا الحالي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الـمـسـألة الثالثة: وتتعلق بظـاهرة الترصد لأخطاء الآخرين، وتلمس عثراتهم، بــل ونصب الشراك لهم على طريقة: ماذا تقول في كذا؟ أتقصد أن تقول كذا؟ على أمل أن يظفر منه بهفوة أو سقطة فيطير بها، ويشنع عليه فيها، والحقيقة أن الأمر في ذلك وصل إلى حـــد مَرَضِي، يصعب تخيله في بعض المنتسبين إلى المنهج السلفي الراشد، وهناك من يحترف التنقيب في كتابات مخالفيه، ثم ينتقي منها فقرات يحملها على أسوأ محتملاتها ومعانيها، ليخلص منها بأن صاحـبـهــا قصد كذا وكذا، فهو إذن مبتدع أو ضال أو كافر، حسب التصنيف الذى يمن به عليه، وأحياناً يبدو للمتابع أن بعض الناقدين يسعد كثيراً إذا أثبت البـــدعة أو الكفر على أحد من المجتهدين أو الدعاة، وكأنه يبتهج بأن يتعزز صف الـمـبـتدعين والكفار بزيادة رمز جديد إليهم، هذا إذا صح ظنه وسلم طعنه، فكيف وأغلبها الأعم تحكمات في الأفهام، وتهويل في التأويل، واساءة ظن بأهل الإسلام؟!
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلمس شبهات البراءة لأهل المعاصي، فيأتيه الرجل يقول له: زنيت فطهرني فيقول إمام الهدى: لعلك فعلت كذا، فيقول لا بل زنيت فطهرني، فـيـعـــاود إمام الرحمة: لعلك فعلت كذا، مرات عديدة عساه يجد له مخرجاً، وتهمته معصية، فما بالنا مع من تهمته الكفر والابتداع في الدين، لا سيما إذا كان من أهل الفضل أوالدعــاة أو العلماء أو العاملين للإسلام؟!!
إن الأولى بالمسلم الراشد أن يتلمس للناس المخارج، ولا سـيـمـا فــي التهم الشنيعة، ويقول: لعله قصد كذا، ولعله أراد كذا، وربما لعله سها،و لعله فاته الدليل. هذا هو سبيل الراشدين، وهذا هو نهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ليس فقط في ما هو محتمل، بل في ما هو وقوع في بدعة صريحة، وعرف عمن أخـطــأ فيه السلامة، ولم يعرف عنه الدعوة إلى البدع والخروج على منهاج الـسـنـــة، يـقــول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها مالم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإن اتقى الـرجــل ربه ما استطاع دخل في قوله: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، وفي الصحيح قال: قد فعلت.
ويقول العلامة شمس الدين الذهبى في سير أعلام النبلاء في ترجمته عن قتادة بن دعـامــة الـســدوسي التابعي الجليل أحد أوعية العلم: (... وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطّـرحه، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك).
الله أكبر، أين من هذا البيان الفذ من يتصيدون الكلـمـات والهفوات للدعاة، فيطيرون بها كل مطار؟ وأين من هذا البيان الراشد من لا تقر أعيـنـهـم إلا بأن يثبتوا بكل سبيل وكل حيلة ضلال داعية أو ابتداع فقيه أو كفر مجاهد من المجاهدين؟
إن هذه الظاهرة الطارئة والشاذة من بعض أبناء الدعوة السـلـفـيـة، من شأنها أن تسيء إلى الدعوة برمتها، وأن تؤسس للفتنة، وتضع منهجاً جديداً للتدمـيـر، ولو أخذ كل داعية أو عامل بمثل هذا المنهج الاتهامي فسوف يأتي يوم لا يوجد فـيــه على وجه الأرض سلفي واحد غير متهم، لأنك لن تعدم في أحد كائناً من كان إذا ترصــــدت ما كتب وما قال، أن تظفر عنده بكلمة أو عبارة أو سطر تحتمل احتمالاً، أو حتى تـحـمــــل سقـطـة أو هفوة. ونسأل الله اللطف بعباده.
هذه هي الملاحظات الثلاث التي أردت الوقوف عـنـدها، وعرضها على القارئ المسلم، ولا سيما الدعاة والعاملين في سلك هذه الدعوة، من بـــاب النصيحة لدين الله ولدعوة الحق، وهي ملاحظات مراقب -مجرد مراقب مسلم- للظواهر الطارئة في الدعوة السلفية أو المخاطر المرتبطة بها، وهي مخاطر تتهدد مستقبل هذه الدعوة، ومن ثم مستقبل الصحوة الإسلامية كلها، لأن الدعوة السلفية هي قطبها ودعــامـتـهـا وروحها المحركة.
أرجو أن أكون قد وفقت في بيان ما قصدت إليه فـيـهـــا، فإن أدركت الصواب فمن الله تعالى وبرحمته، وإن أدركني الخطأ فمن نفسي وبتقصيري، والحمد لله أولاً وأخيراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

السلفيون وحفظ الأوطان: المنهج والتطبيق

كتبه/ علاء الدين عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
هل يحتاج الأمر إلى عناء كبير للتمييز بين مَن يحرص على مصلحة البلاد وأمنها وبين من يريد إشعال نيران الفتن فيها؟!
وهل من الصعوبة بمكان معرفة من يوافق قوله عمله ممن يخرج علينا دومًا بشعارات جوفاء عن المحبة والتسامح؟!
وهل يستوي اليقظ لقضايا الأمة المصيرية الواعي لدوره تجاهها مع من يتعصب -دائمًا- لأجندته المبنية على العصبية الجاهلية البغيضة لإخوانه من أهل الكفر والنفاق؟!
إجابتي -بل إجابات الكثيرين في أغلب الأحيان- ستكون بالنفي؛ إذ الواقع خير شاهد، ولكن المغرضين أصحاب الأقلام المأجورة والمناهج الفاسدة سيكون لهم بالتأكيد رأي آخر.
كم مرة سمعنا فيها وقرأنا اتهامًا مغرضًا للإسلاميين عمومًا "والسلفيين خصوصًا" بأنهم أساتذة التشدد، وأصحاب التطرف، ورعاة الإرهاب؟!
وكم مرة رأينا فيها السلفية تُقرن بالفتن الطائفية، وهي من الفتن براء؟!
"السلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي من جهة ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى
"
وكم رماها أعداؤها –عن قلة علم أو سوء نية- بضد ما تدعو إليه من منهج إسلامي صاف عن البدع والأهواء والأفكار المحدثة غربيها وشرقيها؟
ومما رُمي به السلفيون دومًا في خضم هذه المعركة أنهم أناس لا يحبون أوطانهم، بل هم شر على أوطانهم من أعدائها المعلنين بالعداوة، بل زعم المبطلون أنه ما أصاب البلاد من فتن وأمراض اجتماعية إلا جراء انتشار أفكارهم واستفحال خطرهم!
ولك الله إن تركت وحدك في معركة مع هؤلاء في خصومة هم فيها الخصم والحكم، ولك الله حينما لا يكون عدوك عدوًا عاقلاً ولا حكمًا منصفًا.
أما المنصف -وإن خالفك- إذا أراد أن يحكم عليك أو على جماعة بشرية يجمعها إطار منهجي معين؛ فإنه يرجع إلى الأصول العقدية لهذا المنهج أولاً من واقع مراجعه وأصوله، ويرجع -ثانيًا- إلى التطبيق العملي من قبل هذه الجماعة البشرية لهذه الأصول من واقع تاريخهم والأحداث التي مرت بهم، يفعل ذلك بتجرد، ثم يقدم رؤيته وحكمه.
ولكن القوم لم يكونوا صادقين مع أنفسهم -فضلاً عن أن يكونوا كذلك مع غيرهم-؛ فيتبعوا هذا الطريق المنصف، ولم يكونوا عادلين في أحكامهم؛ إذ تحركهم -دومًا- الأهواء، وليس طلب الحق، ولم يتحلوا -كذلك- بالشجاعة العلمية اللازمة؛ ليقارعوا الحجة بالحجة والبيان بالبيان، بل عادتهم التشغيب وعلو الصوت، وإلقاء التهم جزافًا، ثم الهروب من المواجهة، ودأبهم المسكنة الزائفة وبكاء حال الأوطان، والتشبه بلابس ثوب الحكمة، والحكمة له مجافية.
فهيا في هذه العجالة نستعرض منهج السلفيين وأفعالهم في هذا الجانب -الحفاظ على الأوطان-؛ لكي نكون على بصيرة من أمرنا ونخلص الحقائق من الأكاذيب.
أولاً: في الجانب المنهجي:
لو طالعت كتب السلفيين ومراجعهم وأدبياتهم؛ لوجدت كثيرًا من المصطلحات ذات الدلالة بخصوص حديثنا هنا عن أمن الأوطان والحفاظ عليها، ومن ذلك:
1- السلفية منهج إصلاح:
فالسلفية "منهج إصلاح" شامل، وهو منهج وسط بين منهجين، منهج التغيير المسلح الصدامي غير المنضبط بضوابط الشرع في الدماء والأموال ولا العابئ بالمفاسد والمصالح ولا المراعي لموازين القدرة والعجز، ومنهج التغيير السياسي المتلون من جهة أخرى، فبينما سعى الاتجاهان الآخران للسلطة -بالعنف أو بصناديق الانتخابات-؛ لنوال الحكم والسيطرة عليه أو المشاركة فيه؛ لم يسع السلفيون للحكم بأنفسهم ولا دعوا إلى أنفسهم وأعلامهم، بل يدعون -دائمًا- إلى أن يكون الحكم لله، وأن يُحكموا هم بشرعه، وليس أن يتولوا هم هذا الحكم بالضرورة.
وهذا التغيير المنشود ليس مبهمًا ولا ضبابيًا، بل هو تغيير منصب -أساسًا- على البشر، وموجه إلى عامة الناس، قوامه الحرص على إيجاد الفرد المسلم الذي حسن إسلامه، وتم بناء شخصيته في تكامل مأخوذ من تكامل الإسلام نفسه؛ تربية متوازنة وعلمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، وعقيدة سليمة، وأخلاقا حسنة، وسلوكًا سويًّا، كما بين الرسول -صلى الله عليه وسل ذلك كله في سياق بيانه للدين في حديث جبريل -عليه السلام- عن الإسلام الإيمان والإحسان.
وهو -كذلك- تغيير قائم على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من السلف الصالحين أئمة الدين، دعوة لتغيير لحياة الأفراد ونظام المجتمع وأسلوب الحكم، وليس تغييرًا أجوف من أجل التغيير فحسب، ولا تغييرًا ذا نظرة ضيقة من أجل إسقاط حزمة قوانين ومواد دستورية، أو معارضة لحكم قائم أو خروجًا عليه، ولا لتغيير أوجه واستقدام آخرين، ولا لنصرة حزب سياسي ذي أجندة غير مستمدة من أحكام الشرع الحكيم.
"السلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها
"
2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ويرتبط بما سبق من عرض للمنهج السلفي: قضية الاحتساب، أي: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإشاعته قدر الإمكان والوسع والطاقة بين كل من يقدر عليه، نصحًا يقوم به بنفسه أو بغيره متعاونًا معه في ذلك، أو تنبيهًا لغيره من القادرين عليه، وهذه الحسبة لها ضوابط وآداب ينبغي على القائم بها مراعاتها؛ وإلا كان مفسدًا غير مصلح، منفرًا من الحق غير داعٍ إليه، بل ينبغي للمحتسب أن يكون مخلصًا في ذلك حتى تكون دعوته إلى الله وليس إلى نفسه، صابرًا على ما أصابه، كما ينبغي أن يكون أمره بالمعروف معروفًا ونهيه عن المنكر غير منكر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والذي يلقبه غير المنصفين بإمام التطرف، ومنظِّر الإرهاب، وكأنهم لم يطالعوا منهج الإمام.
وإن كان غير السلفيين يتشدقون بالدعوة إلى "الإيجابية" والحراك المجتمعي من أجل التغيير وغير ذلك من الألفاظ الرنانة، فالسلفيون رأوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه وإصلاح المجتمع على نور الوحي وضوء الشريعة أفضل فعل إيجابي يقومون به كما أمر الله، من أجل حفظ هذا المجتمع وصيانة هذه الأوطان.
3- مراعاة المفاسد والمصالح:
ويرتبط بما سبق من منهجهم -أيضًا-: مراعاة المفاسد والمصالح، فهم يجتهدون في استجلاب المنافع والمصالح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويدفعون المفاسد والمضار عن المسلمين قدر طاقتهم، ويتعبدون لله بتقديم أكبر المصلحتين إن تعارضتا، ودفع أكبر المفسدتين إن أوشك حدوثهما معًا، وذلك في كافة شئونهم من الفعل والترك، والأمر والنهي، والحركة والسكون، والنطق والسكوت، بل لعل هذه الجملة: "مراعاة المصالح والمفاسد" لم توجد أكثر انتشارًا إلا على ألسنة العاملين بمنهاج النبوة؛ السائرين على طريق السلف الصالح.
مع تأكيدهم على أن موازنة المصالح والمفاسد إنما يكون بميزان الشريعة المعصومة فنقدم ونعظم ما قدمه وعظمه الله الحكيم ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم ونؤخر ما أخره الله ورسوله كذلك.
4- أدب الخلاف:
والسلفيون أقروا بوقوع الاختلاف بين الناس في التصورات والرؤى، وما يتبع ذلك من أحكام وتوجهات؛ إذ الاختلاف سنة كونية، فأصلوا له أصولاً شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، ونصوا على آداب مأخوذة منهما، وتأسوا في ذلك بسلف الأمة الذين وسعهم ما ينبغي أن يسعنا، والذين أنكروا على أشياء أخرى ينبغي علينا إنكارها هي وأشباهها.
وفرق السلفيون بين خلاف التنوع وخلاف التضاد، وبين الخلاف السائغ الذي لا يصادم كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا قياسًا جليًّا وبين الخلاف غير السائغ الذي يعارض النصوص والإجماع، وذكروا الواجب نحو هذا الخلاف في كل حالة من هذه الأحوال.
فاختلاف التنوع يستثمر في تحقيق التكامل في العلوم والأعمال حتى ترتقي الأمة بأبنائها ويصلح المجتمع المسلم.
واختلاف التضاد السائغ يحتمل ويبقى الود والحب والأخوة في الله.
واختلاف التضاد غير السائغ يرد ويحارب بإحقاق الحق وبيانه وإبطال الباطل وإزهاقه، مع التفريق بين المصر على الكفر أو البدعة أو الضلالة فيُبغض ويُحذر منه، وبين المجتهد المخطئ الذي عامة حياته وأعماله في نصرة دين الله واتباع كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا إن زل في مسألة بخصوصها يرد فيها قوله وتبقى منزلته وتذكر حسناته ويدعى له بالمغفرة.
كذلك دعا السلفيون الناس برفق؛ لتضييق فجوة الخلاف بالالتفاف حول الكتاب والسنة، والاجتماع على كلمة التوحيد، وعرضوا كل هذه القضايا برقي ووضوح لم يوجد مثله عند كثير من "المستنيرين" المزعومين الذين يتهمون السلفية بجمود الفكر وضلال المذهب، وينسبون إليها كل بلية استجلبوها هم علينا، في الوقت الذي يمارسون ضد السلفيين كل ما يستطيعونه مِن: صور الاستهزاء، والحرب، والتضييق ، والملاحقة.
والحاصل: أنه كان لهذا الأدب السامي في الخلاف عامل كبير في تواصل السلفيين مع غيرهم ممن خالفوهم -وإن كنا نطمع بمزيد من التواصل البنَّاء لا سيما مع الإسلاميين-، كذا كان لهذا التواصل كبير الأثر في حفظ الأمن الاجتماعي.
"حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة
"
5- قضايا الإيمان والكفر:
كل ما ذكرنا وغيره إنما هو راجع في الأساس لأصل العقيدة عند السلفيين، والتي اشتركوا فيها -بفضل الله- مع عامة المسلمين الموحدين أتباع الحق في مشارق الأرض ومغاربها، والتي انتظمت حولها كل العقائد السلفية الأخرى على ضوء الشريعة -أيضًا-، ونعني بهذه العقيدة: قضايا الإيمان والكفر.
فالسلفيون يثبتون الإسلام لكل من نطق الشهادتين وبرأ من الشرك، ويعتبرونه أخًا لهم وحسابه على الله -تعالى-، ولا يتوقفون في ذلك ولا يمتحنون غيرهم على الإيمان، ولا يكفرون أحدًا بذنب وإن كان مرتكبًا كبيرة ما دام غير مستحل لها، ويرون صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وصحة الجهاد خلفه إن كان ذا راية غير جاهلية ممن تولى أمور المسلمين ما دام يقودهم بكتاب الله في الجملة، وفسقه -إن كان فاسقًا- فعلى نفسه، ويسألون الله الثبات للبار، ويسألونه الهداية للعاصي، ويترحمون على أموات المسلمين ولو لم يعرفوا شخوصهم ولم يخالطوهم.
والسلفيون لا يستحلون دماء المسلمين ولا المعاهدين من غيرهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم، ويرونها كلها معصومة محرمة بعصمة الشرع وتحريمه لها، ولا يرون تكفير مسلم بلا بينة أوضح من الشمس في وضح النهار، ولا يسارعون فيه، بل لابد لديهم من استيفاء شروط وانتفاء موانع محلها مظانها يفتي بها أهل العلم الأثبات، ويفرِّقون بين كفر العين وكفر النوع؛ فليس كل من وقع في شيء من أفعال الكفر كافرًا، بل لعله جاهل أو متأول؛ فيعذرون الجاهلين بجهلهم الناشئ عن عدم البلاغ، ويجتهدون في تعليمهم، والتحذير من الشرك وأبوابه وذرائعه بالحسنى والكلمة الطيبة.
والأصل في المسلمين -الذين ولدوا على الإسلام أو نطقوا الشهادتين أو أقاموا الصلاة- الإسلام إلا ما طرأ عليهم، والسلفيون يوالون عامة المسلمين ويناصرونهم مهما تباعدت أوطانهم واختلفت لغاتهم؛ يحبونهم لإسلامهم وإن ظلموهم وأخذوا أموالهم، فيكرهون منهم ظلمهم ومعصيتهم وبدعتهم إن وقعوا في شيء من ذلك، ويحبونهم بقدر ما معهم من إيمان وطاعة، ويزوجونهم ويتزوجون منهم، ويأكلون طعامهم ويطعمونهم، ولا يرون لأنفسهم فضلاً على أحد إلا بما سمى الله -تعالى- من التقوى التي في القلوب فلا يطلع عليها إلا هو.
ثانيًا: في الجانب العملي:
السلوك مرآة الفكر، وما يعتقده الناس في دواخلهم يظهر على تصرفاتهم واختياراتهم، فكل ما يشيع بين أفراد جماعة بشرية ما فإنما هو محصلة عقيدتهم وخلاصة آرائهم، لذلك؛ لم يختلف -بفضل الله- الجانب العملي لدى عامة السلفيين -بشتى توجهاتهم- عن المنهج العقدي الذي عرضنا لجانب منه في هذه المقالة، ولم يناقضوا أنفسهم بالادعاء علنًا غير ما يفعلونه ويفتون به ويحثون عليه، وقد كان السلفيون -بفضل الله وحده عليهم وبعصمته لمنهجهم- أحرص الناس على الاجتماع ونبذ التفرق، وأكثرهم تمسكًا بحماية الأوطان والبلاد والعباد، وإيثار المصلحة العامة الحقيقية -على ضوء الشريعة- على كل مصلحة أخرى تتدخل فيها الأهواء، وصحيح أنهم لم يروا للأنظمة المدنية العالمانية ولاية شرعية -نسبة إلى الشرع- إلا أن ذلك لم يمنعهم من قبول الحق منهم إن قالوه أو فعلوه، كذا التعاون معهم عليه من غير مداهنة ولا نفاق.
"أي باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد
"
لم يقف السلفيون –وسائر المسلمين- يومًا في وجه السلطات الأمنية مصطدمين بهم -وإن ضيقت عليهم السلطات نفسها-، ولم يشتبكوا معهم أو يناوشوهم؛ إذ يرونهم محل دعوة كغيرهم من المسلمين، ولم يتحدوهم؛ ليعلنوا حالة من الفوضى المتعمدة، ولم يلقوا عليهم -يومًا- قنابل المولوتوف، ولا أدموهم بالحجارة، ولا واجهوهم بالأسلحة البيضاء والعصي وقضبان الحديد، ولم ير السلفيون في ذلك "حربًا مقدسة" يستنفر لها الناس ويُحشد لها راغبو "الشهادة".
لم يتجمع السلفيون يومًا بالآلاف؛ ليحاصروا مبنى المحافظة، أو يحاولوا اقتحام أسوارها عنوة، ولا تحطيم المباني والممتلكات العامة، والمنشآت الحكومية واحتجاز من فيها كرهائن؛ ليفرضوا رأيهم بالقوة أو ينالوا ميزة بالإرهاب، أو يفرضوا أمرًا واقعًا رغم أنف الجميع.
لم يتعاون السلفيون مع أعداء دينهم ووطنهم في الداخل ولا في الخارج، ولا فتحوا معهم قنوات للاتصال والحوار، ولا نسقوا مع أحد أو جهة ما بالمهجر ولا غيره من أجل الضغط على حكوماتهم أو بلدانهم، ولا لأجل كسب ورقة جديدة في مفاوضات من أجل مصلحة طائفية على حساب البلاد.
لم يروع السلفيون الآمنين من السكان في بيوتهم، ولم يتسببوا في الذعر للمارة في الطريق، ولا للطلبة والطالبات في مدارسهم، ولا تدربوا وسطهم على حرب الشوارع وكر العصابات وتطويق الهيئات واختطاف الرهائن.
ذلك كله -وغيره ذلك كثير- لم يفعله السلفيون، ليس ضعفًا منهم أو غفلة عن هذه الأساليب الرخيصة، ولكن لقوة لديهم يستمدونها من الشرع، وليقظة لديهم تدلهم على عدم مشروعية كل هذه الأعمال التخريبية وخطرها على أوطانهم ودعوتهم وأهليهم -عامة الشعب المسالم- وعلى البلاد ككل.
وكل باحث منصف في شئون الصحوة الإسلامية المباركة يقر بدور المنهج السلفي والسلفيين قديمًا وحديثًا في تقليص دائرة العنف، والعنف المضاد بين الحكومة والجماعات الإسلامية التي كانت وقتها صدامية –وذلك قبل المراجعات- عن طريق نشر المنهج السلفي وضوابط التغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الشباب الملتزم وتوجيه طاقاتهم وترشيدها نحو البناء لا الهدم، والتواصل لا التصادم .
السلفية هي الإسلام بنقاء:
وبقي أن نذكر أمرًا مهمًا، وهو أن ما ذكرناه من قضايا منهجية وكيف طبقها السلفيون ليست وصفًا لمنهج منفصل عن الإسلام، بل هو الإسلام ذاته، وليس نتاج خبرات أو آراء فكرية بشرية، بل هو المنهج الرباني الذي ورثناه عن الصحابة، والذي اصطلحنا على تسميته بالسلفية، ولا نتعصب للاسم ولا نحتكره، فكل من رأى صحة ذلك المنهج واتبع قواعده الشرعية فهو عندنا "سلفي" المنهج، سليم العقيدة، صائب الرأي ولو لم يتسم بهذا الاسم؛ إذ الولاء على الإسلام ذاته، وليس تعصبًا لاسم.
إن أردت لذلك بيانًا؛ فلتعلم أن عمدتهم في قضية الإيمان -مثلاً- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) (رواه مسلم)، وفي إيكال الناس إلى ربهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!) (متفق عليه)، وفي عدم تكفيرهم بذنب –إلا المستحل- قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48) وأما في الشركيات فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع –كالصغر والجنون والإكراه والخطأ والنسيان والجهل والتأويل- وليس منها الاستحلال، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي مخاطبة الناس بالحسنى قوله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).
وفي النهي عن إشاعة الفتن والترويج لها والحث عليها ما قدمنا به المقال: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وفي أخوة عامة المسلمين قوله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، وغير ذلك مما تجده مبثوثًا منتشرًا مبذولاً في كتب السلفيين ومجالسهم ومصادرهم ومواردهم، منصوصًا عليه في الكتاب، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في "السنة"، ولكن قلَّ المنصف!!
وكذلك حب السلفيين لأوطانهم وعملهم من أجله إنما هو نابع من دينهم وعقيدتهم؛ فخالفوا بذلك أهل الدعوة إلى القومية والوطنية والتحزبات الطائفية الإقليمية، وغير ذلك من الدعاوى الفارغة التي زرعها فينا الاحتلال بحدود سياسية مصطنعة حتى أصبحت هذه الحدود المستحدثة كالخلايا السرطانية في جسد الأمة الجريح تقطع أوصالها وتبتر أرجاءها.
فأرضنا هي أرض الإسلام كله، وتبلغ حيث بلغ الأذان، وارتفعت كلمة القرآن، حبنا لأوطاننا ليس تشدقًا وحبًّا للظهور وتكسبًا وتجارة باسم الوطن، بل محبةَ أن يظهر الخير فيها وعليها، وليس تشبهًا بعصبية أهل الجاهلية لأرضهم، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في دعوى الجاهلية: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، وحبنا لأوطاننا فطرة جعلها الله في قلب كل من شب فوق أرض ما واستظل بسمائها.
فضلاً عن كون مصرنا الغالية -الآن- هي قلب الإسلام النابض، وكنانته التي يرمي بأسهمها عدوه، وبيضته التي يتقي بها شرورهم.
وهكذا وبالرغم من كل ما سبق بيانه وثبت منهجيًا، وثبت كذلك واقعيًّا؛ كانت -دائمًا- السلفية -والسلفيون بالتبع- في مرمى القذف بالباطل، وفي دائرة الاتهام، وقد لاقى السلفيون ذلك بلا ذنب جنوه ولا مخالفة ارتكبوها، تتناوشهم الأيدي مرة وهم ثابتون، ويؤخذون بجريرة غيرهم وهم صابرون محتسبون، ويرميهم العالمانيون، والكُتَّاب المأجورون، والمتآمرون، والإعلاميون -السطحيون منهم، وغير المنصفين، وحتى الدراميون إذا أفاقوا من سكرهم وشهواتهم- يرمونهم بالبعد عن صحيح الدين ووسطيته -وليتنا نتعلم منهم أين وسطيته تحديدًا-، بل يستعْدون عليهم غيرهم، ويشوهون لدى الناس دعوتهم، ويغرقونهم بالجرح والاستهزاء واللمز، ويتهمونهم بسرقة المجتمع، والتخلف والجمود الفكري، والتسويق لثقافة البداوة والانعزال والتطرف والإرهاب، والأعجب من ذلك بإثارة الفتن والخطر على الأوطان! وفي الوقت نفسه يوالون أهل "الحرب المقدسة" ويسارعون فيهم!
والآن أخبرني -أيها القارئ-: هل يحتاج الأمر إلى عناء كبير للتمييز بين من يحرص على مصلحة البلاد وأمنها، وبين من يريد إشعال نيران الفتن فيها؟!
وهل من الصعوبة بمكان معرفة من يوافق قوله عمله ممن يخرج علينا -دومًا- بشعارات جوفاء عن المحبة والتسامح؟!
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من نحن و ماذا نريد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمع إشراقة عيد الفطر المبارك نتقدم إلى كل مسلم ومسلمة بأعز التهاني بهذا العيد الذي أتانا وقد أزاح الله عن بلادنا نظام الظلم والطغيان البائد، وأراح العبادَ من شر طغمة أفسدت في الأرض وصدت عن سبيل الله وابتغت السبيل عوجًا؛ فأزال مالكُ الملك ملكَهم ورئاستَهم، سائلين الله تعالى أن يهيئ لأمتنا أمرَ رشد؛ يُعَزُّ فيه أهلُ طاعته ويُهدَى فيه أهلُ معصيته، ويُؤمَر فيه بالمعروف ويُنهَى فيه عن المنكر، وأن يُوَلِّيَ أمورَنا خيارَنا مِن الذين قال فيهم: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، ولا يُوَلِّيَ أمورَنا شرارَنا، وأن يجعل ولايتَنا فيمن خافه واتقاه وآمن به واتبع شريعتَه وسنةَ نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومن كل المسلمين الصلاةَ والصيامَ والزكاةَ وسائرَ الأعمال، وأن يعفو عنا ويغفرَ لنا ويرحمَنا وينصرَنا على مَن بغى علينا.
وننتهز هذه الفرصة لنقدم للجميع جوابًا على السؤال الذي يقفز إلى ذهن الكثيرين ممن سمع عنا ولم يسمع منا:
مَن نحن؟ وماذا نريد؟
نحن جماعة من أبناء هذا الوطن -مصر الحبيبة- رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا، ندعو إلى الله سبحانه؛ إلى عبادته والإيمانِ به؛ تحقيقًا لقوله -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) متبعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء بالإسلام كدين شامل كامل ينظم حياةَ الفرد والأُمَّة والدولة؛ في الظاهر والباطن، في العقيدة والعبادة والمعاملة والخلق والسلوك (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام)، نريد العودة إلى الإسلام كما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبيضَ نقيًّا بلا شوائبَ ولا بدع كما فهمه وطبقه السلف الصالح من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن تبعهم بإحسان؛ الذين نحبهم ونتولاهم ونبغض مَن يبغضهم وبغير الخير يَذكُرهم. ونريد استئناف حياة إسلامية لبلادنا ولكل المسلمين في الأرض لتحقيق الإسلام والإيمان والإحسان.
ففي العقيدة والإيمان:
ندعو إلى توحيد الله -سبحانه- بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا شريك له في الهيئة ولا كفءَ له في أسمائه وصفاته وأفعاله:
فهو وحده المتفرد بالخلق والرزق والتدبير (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام:17).
وهو وحده المتفرد بالملك (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)، وقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) (فاطر:13).
وهو وحده الذي له الأمر والحكم والتشريع (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54)، وقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (يوسف:40)، وقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى:21)؛ فلا نرضى أبدًا بحكم يخالف شرعَه الذي أوحاه إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتمِ النبيين الذي لا يقبل الله مِن أحد صرفًا ولا عدلاً إلا بالإيمان به واتباعه واتباع النور الذي أنزل معه -القرآن العظيم-.
والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ونصرة الدين ومتابعة أهله وعدم طاعة الكفار والمنافقين من أصول الإيمان.
وهو سبحانه وحدَه الذي يستحق العبادة بكل أنواعها؛ فلا نركع إلا لله ولا نسجد إلا له ولا ندعو غيرَه ولا نذبح لغيره.
ونحارب البدع والخرافات التي تدعو إلى الغلو في الصالحين وصرف العبادة لهم ولقبورهم.
وهو سبحانه له الأسماء الحسنى؛ الرحمن على العرش استوى، الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ندعوه بأسمائه ونحبه مِن كل قلوبنا ونخافه ونرجوه ونتوكل عليه ونتجنب البدع.
ونؤمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر على ما جاء في الكتاب والسنة.
وفى العبادة والعمل:
نتبع سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونحارب البدع كلَّها، ونسعى إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في الأمة كلِّها، وكذا صوم رمضان والحج، وندعو إلى تجنب الحرام في المعاملات والأعمال، فلابد أن تُضبَط الدنيا بالدين؛ فنرفض الربا -ومنه فوائد البنوك الربوية- والرشوةَ التي دمرت المجتمع والميسرَ -القمار والغرر- وثمنَ الخمر والخنزير والميتة والأصنام، وكلَّ بيع أو إجارة ثبت النهي عنها في الكتاب والسنة أو أعانت على معصية الله.
وفى الأخلاق والسلوك:
نرى أن تَقَدُّمَ الأمة ورفعتَها في عودتها للتمسك بالأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام -وأصلها مراقبة الله والإخلاص له-؛ فنأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران والعاملين وغض البصر وحفظ الفرج وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعقود وتعظيم حرمات المسلمين والمعاهَدين والمستأمَنين مِن غيرهم، وننهى عن سفك الدماء وغصب الأعراض، والأموال ونسعى إلى حل المنازعات بين الناس بشرع الله، ونحارب الخمر والمخدرات والزنا والتجارة والعمل في كل ذلك وما يعين عليه.
وفى السياسة وأنظمة حياة المجتمع:
نسعى إلى إقامة دين الله في الأرض وسياسة الدنيا به وإيجاد فروض الكفاية كلِّها:
- مِن نظام تعليم:
 يرتقي بأبناء الأمة ويُخَرِّج لنا أجيالاً تفهم دينها وتعمل به وتُكَوِّن كفاءات في جميع مجالات الحياة -مِن طب وهندسة وفيزياء وزراعة وصناعة وكلِّ الأنشطة الإنسانية- تقود الأُمَّة إلى النهوض من رقدتها وتضعها أمام كل الأمم.
- ومِن نظام إعلامي:
 واعٍ يقوم على الصدق والأمانة وتوضيح الحقيقة ومحاربةِ المبادئ المخالفة للشرع والشهوات المغوية والشبهات المضلة.
- ومِن نظام قضائي:
 عادل يقوم على القسط الذي شرعه الله، وجزءٌ منه نظام العقوبات الإسلامي؛ مِن حدود وردت في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بضوابطها الشرعية وتعزيرات لردع المفسدين، وهذه كلها لا تخيف أحدًا مِن أهل الخير والصلاح بل بها تقوم السماوات والأرض؛ لأنها العدل وليس ما اخترعه البشر من عقوبات أو قضاء بخلاف الشرع ما جرَّ على الناس إلا مزيدَ الفساد للمجتمع ونشرَ الظلم والمنكر فيه.
- ومِن نظام اقتصادي:
 يهدف إلى تحقيق التكافل بين الطبقات الاجتماعية بلا غنى مطغٍ ولا تسليطٍ لرأس المال ولا فقرٍ مُنسٍ يقهر الطبقات الفقيرة الكادحة، بل يجد كلُّ واحد كفايتَه ويتقاسم الناس فيه الخير والرخاء والثروات بنظام الزكاة، ويتجنب النظام الربوي وأنظمةَ الميسر والقمار المتفرعةَ عنه، كما يحافظ على الملكية الخاصة ويمنع مصادرة الأموال بغير حق طالما اكتسبها صاحبُها بالحلال مهما بلغت طالما أدى ما عليه، كلُّ هذا مع الانفتاح على العالم -وأَوَّلاً العالم العربي والإسلامي- لتحقيق الخير للأمم والشعوب في ظل الشرع.
- ومن السياسة الخارجية وفى مجال الحرب والسلم:
فلابد من تقوية الجيش الذي يدافع عن الدين والبلاد والعباد، ويحافظ على الكرامة، كما نفي بالعهود والمواثيق ولا نغدر ولا نخون.
 -ومِن النظام الاجتماعي:
ندعم المحافظة على الأسرة، ونؤكد على حق المرأة والضعيف كما ورد في الشرع لا على حسب أهواء الغرب ومنظماته الهادمة لمبادئ الشريعة، كما نسعى إلى وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير كما أمر الله، ونؤكد حقَّ اليتيم والأرملة والمسكين.
ونعرف لغير المسلمين من أهل الكتاب حقَّهم؛ أن لا يُكرِهَهم أحدٌ في دينهم (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (الأعراف:54)، وهم جزء من المجتمع له حقوقه وعليه واجباته كما شرع الله لهم في أحوالهم الشخصية مِن زواج وطلاق ونحوه أن يتحاكموا إلى شرائعهم طالما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا واحتكموا إلينا حكمنا بينهم بشرع الله، كما لا يُمنعون من ممارسة شعائرهم في بيعهم وكنائسهم ولا مِن أكل ما اعتقدوا حِلَّه كخنزير أو خمر على أن لا تكون في الأسواق والأماكن العامة، ونأمر بالعدل معهم والبر والإحسان لمن لا يحارب المسلمين في الدين، ونرى جواز البيع والشراء والإجارة والشركات والمضاربات وسائر الأنشطة التي أحلها الله، ولهم دورهم في بناء المجتمع والدولة، وهم مسئولون عن ذلك مع المسلمين وإن لم يتولوا الولايات العامة التي تهدف إلى إقامة الدين؛ فلا يُتصوَّر أن يتولاها مَن لا يؤمن بهذا الدين، ونحفظ حرمةَ دمائهم وأعراضهم وأموالهم امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن قتل معاهَدًا لم يَرَح رائحةَ الجنة)، وندافع عنهم كما ندافع عن المسلمين في ذلك كله، وقد قمنا بذلك بحمد الله أثناء الثورة -باركها الله-.
فهذه هي السياسة الشرعية التي نريد أن توضِّح للناس نموذجًا يختلف عن كل النماذج التي رأوها أو سمعوا بها؛ لأن مرجعيتها كانت على خلاف الشرعية، ومرجعيتنا في المشاركة السياسية الشريعةُ الإسلامية التي نريد المحافظة على هُوية الأمة بالتمسك بها وتفعيلها؛ حتى تتحول كلُّ التشريعات إلى ما يوافق الوحيَ المنزَّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فهذه خطوط عريضة لحقيقة دعوتنا وأهدافنا، ووسيلتُنا في تحقيق ذلك ما أمر الله من التعاون على البر والتقوى، وجماعتُنا ترى لزومَ ذلك والاجتماعَ عليه في كل المجالات بما في ذلك مجال المشاركة السياسية من خلال الأحزاب التي تقوم على مرجعية الشريعة وتتعاون معًا لتحقيق الهدف المنشود.
أعاد الله الأعيادَ على أمة الإسلام كلِّها بالنصر والتمكين والعز والكرامة، ورَفَعَ عنها الظلمَ والعدوان.
اللهم احفظ بلادنا آمنة مطمئنة رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين.